الحالة العربية وتاريخها القريب، مرت بأطوار عجيبة، فكل الدول التي تم استعمارها من قبل الدول الغربية، أظهرت وحدة وطنية في النضال ومقارعة تلك الدول حتى تم الاستقلال، وقد خلفت الدول المستعمرة، بكسر الميم، نظماً بعضها استمر وكان جيداً، وأخرى عملت على اذكاء روح التفرقة بين مكونات الشعب الواحد سواء اللعب على وتر القومية أو الطائفية والقبلية، ومع ذلك كانت الحكومات العربية ما بعد الاستقلال حذرة أن تتطور هذه الأمور إلى تقطيع الشعب الواحد، فبدأت بإنشاء دساتير، ومحاكم وأحزاب تخضع لقانون المساواة، بما فيها حقوق المرأة، كما جرى في تونس مع الرئيس الراحل «أبورقيبة» وشجع ذلك على نشوء بدايات لنظم ديموقراطية، لكن الانقلابات العسكرية، أفشلت تلك البدايات لتحل الكارثة في كل دولة قام فيها نظام عسكري..
ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، كانت أغنية عربية من المحيط للخليج، ولم يشهد توافق عربي بدءاً من الطفل إلى الشيوخ من النساء والرجال من وضعها على قائمة أعظم البطولات، وبعد سنوات من نظم شبه دكتاتورية جرت انتخابات فاز فيها التيار الإسلامي، إلا ان الجيش رفض وصولهم للحكم فقامت ما يشبه الحرب الأهلية ذهب ضحيتها عشرات الآلاف، وكادت تفكك لحمة البلد الواحد..
البلدان العربية الأخرى كلبنان الذي شهد حرباً أهلية جذرت الطائفية ولا يزال يعاني حتى اليوم من تبعات تلك الحرب وتجزئتها للبلد الواحد وارتهانه إلى دول عربية وأجنبية تدخل في شؤونه إلى اليوم..
العراق أُحتل من أمريكا وسُلم لإيران بلداً ناقص الحرية حيث تحكمه الطائفة التي تتلاحم مع النظام الإيراني بكل أبعاده، وصارت القوى الوطنية الأخرى خاضعة بالقوة، أو الرشوة للنظام القائم، مما يجعل العراق على خط نار التجزئة، إن لم يكن ثم ذلك باستقلال الاقليم الكردي بنظامه واقتصاده لتلحقه بقية التشكيلات الأخرى..
دول الربيع البعض منها حافظت على وحدتها الوطنية مثل تونس ومصر، بينما نشأت في ليبيا مليشيات كادت تعصف بالنظام ووحدته، ونفس الشيء اليمن، والتي خرجت من أزمتها بحل التراضي الذي قادته دول الخليج العربي، وما زال متماسكاً حتى اليوم..
سوريا المأزومة تواجه انقسامات داخل المعارضة، والأسباب أن كل فريق يريد الاستئثار بالآخر، ورغم شراسة النظام، فتوحيد صفوف المعارضة ينهي العديد من القضايا المعقدة، كإنشاء حكومة مؤقتة ترث ما بعد الأسد، وكذلك توحيد الجيش الحر والذي ينوي لم صفوفه، والخروج بقيادة واحدة بدلاً من نشوء فصائل ومليشيات قد تدفع بها في المستقبل إلى حروب أهلية وجعل التسمية «الجيش الوطني السوري»..
العجيب أن الدول التي توحدت ضد الاستعمار، بدلاً من أن ترسخ وحدتها الوطنية أصبحت تعيش حالة تجزئة مخيفة، حتى إن دولة القانون ظلت مجرد مسمى لدولة الطائفة والمليشيا، وهي أزمة هوية ووجود..