نعرف أن الانتقال من التعاون إلى الاتحاد الخليجي لا يأتي سريعاً رغم وجود العوامل المشتركة لنجاحه، فمشروع كهذا يحتاج لأنْ يُدعم شعبياً ورسمياً، ونشر الوعي بالأدوار التي يلعبها على ساحة المنطقة اقتصادياً وأمنياً، وكذلك ساحتنا الداخلية..
فالظرف العربي والدولي، وحتى الإقليمي في حال مخاضٍ معقد سياسياً، وقضية الثبات على الاتجاهات القديمة دون تحليل موضوعي لأي واقع ينشأ، هي مسؤولية هذه الدول، والتي على علم تام بأن إدارة شؤونها يجب أن لا ترتهن لقوة خارجية أياً كان مصدرها، أو تضع نفسها في مواقع الخطر، وثقافة الاتحاد لا تأتي كرد فعل عاطفي، لأن بلدان أوروبا والتي تعيش نضجاً متقدماً عن بقية التكتلات العالمية الأخرى، شعرت بأن وحدتها لابد أن تقوم على أبجديات حاجتها، وأن تكون قوة منافسة مع غيرها، وهي التي لا تمتلك اللغة والتاريخ، فقط الجغرافيا هي عامل التوحيد، بينما دول الخليج ليس لديها العوائق، وتبقى مسألة التشريعات والقوانين والروابط الأخرى مع العالم الخارجي، والتي يمكن إدراجها ضمن توجه كل دولة على أن تبقى السياسات العليا هي السقف الأعلى في طرح مفهوم الاتحاد..
هناك عامل مهم، أي أن كل دولة تنظر أنها حرة ومستقلة في شؤونها، وأن الاتحاد ربما ينزع عنها صفة الاستقلال في القرار، وهذا ليس صحيحاً، لأن السياسات الداخلية ستبقى على حالها، لكن عمليات دمج المشاريع الاستراتيجية كالطرق والكهرباء وسكك الحديد والصناعات البتروكيماوية، والاستيراد والتصدير والطاقة تأتي بمنافع أكبر وحتى مسألة التسلح إذا ما خضعت إلى تنسيق في العقيدة العسكرية والمصادر التي تتعاقد معها، وتوطين هذه الصناعة ومثلها المصادر الأخرى للطاقة سواء أكانت نووية، أم غيرها، فإن الخروج من حقبة التعاون للاتحاد، سوف يخلق تجمعاً قوياً، والمرحلة الراهنة هي أفضل فرصة لأنْ تأتي التحولات سلسة بعيدة عن عسف الواقع، أو رؤية الأمور بمنظار يعاكس هذه الحاجة الاستراتيجية..
فالأماني العربية القديمة بالوحدة بنيت على شعارات وتدابير حكومات، وفشلها جاء لأنها بلا مضمون اتخذ تحليل الظروف العربية والدولية، بينما في دول الخليج العربي أنشأت مجلس تعاونها منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، وهي تجربة لا نعطيها شهادة النجاح الكامل، لكنها في عُرف ما جرى عربياً سجلت بادرة نجاح مهمة، وعندما تدفع بهذه العملية إلى الاتحاد فستكون النقلة مهمة في تاريخ هذه الدول..
كلنا على فهم تام أن محيطنا مضطرب، وأن الصداقات لا تدوم، وما لم نرَ الأمور بحقائقها ونتعامل معها بمنظار الحاجة، فإن المخاطر ستحيط بنا من كل جانب، وأبرز المشاهد ما نراه من إيران التي أحد مرتكزات أهدافها زعزعة أمن هذه الدول، والتدخل في شؤونها، ولا نأمن أطرافاً أخرى أن لا تتطابق مع رؤانا وأهدافنا..
الاتحاد ليس ترفاً بل هو ضرورة يمليها الواقع الراهن والمستقبل، وما لم نفهم الأبعاد الحقيقية لهذا الاتجاه فإن الزمن لن يساعدنا في دفع أهدافنا إلى الأمام..