يذكر الناس عندما أطلق وزير الدولة بالنفط السابق الوزير علي أحمد عثمان تصريحات قال فيها إن السودان سيقوم بإغلاق خطوط أنابيب البترول إذا لم يقم الجنوب بدفع رسوم عبور البترول عبر خطوط الأنابيب السودانية ، ويذكر الناس أن السفير الصيني إشتاط غضباً وأطلق تصريحات غاضبة يحذر فيها من القيام بمثل هذه الخطوة، ومطالباً بعدم إتخاذ أي قرار من شأنه أن يحدث أضراراً على مصالح الشركات الصينية العاملة في مجال البترول، في ظاهرة غريبة تمثل نوعا من فرض الوصاية والتأثير على قراراتنا الوطنية ، ورغم أن السودان كان قد تعامل بحكمة وغض الطرف ومارس تجاهلا إيجابيا وانصرافا متعمدا تجاه تلك التصريحات الصينية الغاضبة ،إلا أنني كنت قد كتبت قبل وبعد تلك التصريحات عدداً من المقالات طلبت فيها من الحكومة ضرورة  أن تجري دراسة جدوى إقتصادية وسياسية متأنية لجرد حساب الأرباح والخسائر في صفقة علاقاتنا الغريبة مع الصين .ومعرفة كم هي نسبة العائد على رأس المال السياسي والدبلوماسي من صفقة علاقاتنا الاقتصادية و تبادلنا التجاري والإستثماري مع دولة الصين .

وقد كنت قد أشرت في كل تلك المقالات إلى خلاصة مهمة وهي أننا ظللنا نمنح الصين بكرم باذخ تسهيلات كبرى في مجال إستخراج النفط، وفي مجال تأسيس بنياته المصاحبة من خطوط ومصافٍ ومستودعات وموانئ تصدير ،علاوة على أننا ظللنا كذلك نمنح الصين أولوية ممتازة في كل عقود التنمية والإستثمار المتعلقة بالطرق والسدود وغيرها ،حيث كان نتاج كل هذه الإمتيازات الإقتصادية هي تحول السودان إلى واحد من أكبر شُركاء الصين الإقتصاديين في أفريقيا ، ولكن رغم كل هذه الشراكة الإقتصادية الكبرى إلا أن الصين ظلت مع سبق الإصرار والترصد تتعامل معنا بجينات سياسية تحمل الفصيلة ( -o ) تأخذ ولا تعطي .

حيث ظلت الصين تجني فوائد إقتصادية ضخمة من هذه الشراكة دون أن تقدم للسودان أية خدمات سياسية ذات إعتبار .حيث ظلت الصين تقف بصورة دائمة موقف المتفرج تجاه كل القرارات الجائرة التي صدرت ضدنا في مجلس الأمن ،وتجاه كل الضغوط والمؤامرات الدولية التي يتعرض لها السودان ، مع ملاحظة أن كل تلك القرارات التي استهدف بها السودان رغم أنها تبدو في ظاهرها أنها قرارات سياسية أمنية لاستهداف السودان من قبل مجلس الأمن ، إلا أن كل تلك القرارات كانت ذات آثار إقتصادية سالبة جداً على السودان ،لأنها عقّدت مشاكل البلاد الأمنية والسياسية ،وأدخلت البلاد في رهق إقتصادي ضخم وتكلفة مالية باهظة ذهبت بجُل مواردنا الإقتصادية بما فيها موارد البترول .

وهذه الآثار الإقتصادية السالبة التي وقعت على ظهر السودان من جراء قرارات على مجلس الأمن، هي التي تؤكد تلاحم وتزاوج الإقتصاد مع السياسة ،لأن أي استهداف سياسي هو في المقام الأول استهداف اقتصادي ، مما يتطلب من أية دولة ذات بصر ،أن تحرص حرصاً شديداً في الحصول على مكاسبها السياسية والأمنية من أية علاقات وروابط إقتصادية تربطها بدولة أخرى ، وفي المقابل ينبغي على الطرف الآخر فى العلاقة الاقتصادية أن يفهم أن أية مكاسب إقتصادية يتحصل عليها من علاقاته الاقتصادية مع أية دولة ، لابد لها من فاتورة سياسية إلزامية واجبة السداد ، ولذلك فإنني طالبت في كل مقالاتي السابقة بضرورة مراجعات كبرى لعلاقتنا مع الصين بعيداً عن العواطف السطحية، وبعيدا عن حسن النية الغافل ، لأنني لدى إحساس عميق أن الصين ظلت تتمتع بكل المزايا الإقتصادية التي نمنحها لها دون أن يكون لديها أي إستعداد لتقديم أي دعم سياسي حقيقي للسودان . وظلت تتفرج بتلذذ على كل ما من شأنه إيذاءنا، بل إنني أشرت في تلك المقالات إلى أنني لدي إحساس شديد أن الصين تتعمد إستغفالنا إن لم تكن جزءاً من المؤامرة علينا ، وما يؤكد إحساسي هذا هو موقف الصين الحالي (والجديد لنج) من القرارات التي اتخذتها دولة جنوب السودان مؤخراً ،والتي أغلقت بموجبها حكومة جنوب السودان آبار النفط العاملة في الجنوب.

حيث يُلاحظ أن ردة الفعل الصينية كانت باهتة وضعيفة جداً ولم تظهر أي مواقف قوية رافضة أو ردة فعل رادعة لتلك القرارات الجنوبية ،رغم أن معظم الشركات العاملة في الجنوب هي شركات صينية لديها نسبة لا تقل عن (35%) من بترول الجنوب ،مما يعني أن تضرر الصين من جراء تلك القرارات الجنوبية أكبر بكثير من تضرر السودان منها. ولكن رغم ذلك ظلت الصين تتجمل بالصبر الجميل وتتعامل بصمت غريب غير منطقي وتتحرك بفعل غير متوازن مع حجم الخسارة والضرر الواقع عليها وعلى مصالحها فى جنوب السودان ، بل ان ردة فعلها تبدو غريبة جدا وغير متوازنة حتى مع غضبتها التي أبدتها ضد السودان عند ما المح فقط الى مجرد احتمالات قيامه بإغلاق خطوط الأنابيب التي هي ملكاً سودانيا خالصاً، وقرار فتحها وإغلاقها حقاً سيادياً مطلقا للسودان وحده دون أي احد سواه .

وهذا الصمت الصيني النبيل يثير علامات استفهام كبرى حول الطريقة التي تتعامل بها الصين معنا ومع القضايا المرتبطة بنا، ولذلك ينبغي على الحكومة أن تدرس هذا الموقف الصيني البارد والباهت تجاه تصرفات جنوب السودان التي تستهدف المصالح الصينية أكثر من استهدافها لمصالح السودان ،ينبغي دراستها على ضوء كل مواقفها السابقة واللاحقة تجاهنا. لأنني أخشى أن يكون ( السودان الطيب جداً ) ضائعاً (تحت الرجلين) في صفقة تآمر خطيرة تمثل الصين أحد أضلاعها .

مما يحتم على الحكومة أن تترك حالة الغفلة الساهية التي تتحرك بها في الفضاء الدولي ،وتقوم بدراسة مُتأنية لمجمل المواقف الصينية تجاه ما يحدث في السودان ومقارنة ذلك بمواقف الصين العالمية الحازمة والصارمة تجاه كل ما من شأنه تهديد مصالحها، للدرجة التي جعلتها تستخدم المناورات العسكرية والتحذيرات المباشرة حتى مع أمريكا ،كما حدث عندما دعمت أمريكا المعارضة التايوانية ،وكما حدث عندما دعمت أمريكا معارضة إقليم (التبت)، واستقبلت زعيمها (الدلاما لاما).

هذا غير إستخدامها للفيتو مؤخراً لصالح دول أفريقية وعربية لا تملك الصين معها معشار ما تملكه من علاقات مع السودان ، وعلى الحكومة أن تسعى بصورة عاجلة للبحث عن شريك دولي قوي ومضمون ومستعد لدعم السودان في ساعات العسرة, وأنا هنا أشير بالتحديد إلى روسيا الإتحادية والتي في كثير من الأحيان يكون موقفها لصالح السودان أكثر صرامة واخلص دعما من مواقف الصين  الغامضة والمريبة معنا ،رغم أننا لا نمنح روسيا معشار ما نمنحه للصين ، وعلى الحكومة ان تتخلص وتجري عملية إحلال وإبدال كبرى لكل كتائب المبرراتية الذين ظلوا يبررون كل مواقف الصين السالبة تجاهنا ،حتى يفتح السودان لنفسه آفاقا جديدة في علاقاتنا مع الصين تقوم على الأخذ والعطاء والوضوح الكامل.