لم تعد الصين هرماً بشرياً لا يتحرك في أفق الحضارة المعاصرة؛ فهي اليوم تنتقل للقوة الثانية بعد أمريكا، والخبراء يتوقعون أنها خلال عقد من الزمن، ستكون الدولة الأولى اقتصادياً وتقنياً، ومعجزة هذا البلد تكمن في ديناميكية شعبه وأدائه المبهر الذي فاجأ العالم بنمو لم يصل إليه أي بلد في مراحل تقدمه..

رئيس وزراء الصين سيكون في الرياض الأيام المقبلة، والزيارة ليست تقليدية، مما اعتدنا عليه من بعض الدول، فهو يحمل أوراق عمل في غاية الأهمية، اتفاقات اقتصادية وتقنية، وتوسيع مجال المعاملات بين الدولتين، ليس فقط على المستوى الرسمي، بل والأهلي، ولا يمكن رؤية الصين من كمية بضائعها بالسوق العالمي، والتي ينقص بعضها الجودة، لكنها بالمقاييس الحالية، دولة متقدمة تصنع الحواسيب هائلة السرعة وتبني قطارات الأولى من نوعها، ومراكز بحوثها وصلت إلى درجات هائلة، وحتى جامعاتها أخذت مراكز متقدمة في العالم، وبلد بهذا التطور المتسارع، لابد أن تكون علاقاتك به في تصاعد مستمر، ولعل آسيا القادمة بقوة بدولها الكبرى، (وتنانينها) قد تكون البديل الموضوعي عن الاحتكارات الغربية، والتي أصبحت تتطلع للصين برعب مشوب بالإعجاب من قوة تنامي اقتصادها وثراء علومها..

نحن في المملكة بلد مفتوح، يسعى للحصول على فرصة بناء ذاته بالتعاون مع كل الدول، بدون مقدمات، أو اشتراطات، إذا ما قدرت استقلالنا وحريتنا، فنحن مع كل الشعوب التي تضيف لنا جديداً في المعارف والتنمية، والتعاون المتبادل، فليس لدينا حساسية من شرق أو غرب، طالما تحكمنا مصالح متعددة واحدة..

الصين قادمة بقوة، وعملية أن نبني معها أعمالاً مشتركة، هدف يساوي بين رغبات الطرفين، والأمر لا يقتصر على الطاقة ومشتقاتها، وإن كانت الفاعل الأساسي، بل لدينا صناعات متعددة في البتروكيماويات والتعدين، وسوقنا مفتوح، واقتصادنا حر، وبالتالي فرسم طريق جديد مع دولة عظمى قادمة بقوة هو خيار منطقي، والأهمية لا تقتصر على جانب واحد، فمعرفة المجتمع الصيني من الداخل من خلال نقل ثقافته، ومد الجسور بإرسال بعثات طلابية للاستفادة من تجربتها وتبادل الزيارات بين مختلف القطاعات، والعاملين بها، يوسع دائرة التعامل ويعطينا فهماً أكثر، عن بلد ظل مفهوماً لنا بتاريخه وحضارته العريقة، لكنه ظل بعيداً عنا في مراحله الشيوعية المنغلقة على ذاتها..

الزيارة تأتي في تداعيات الأوضاع في المنطقة، واقتصاد متدهور في الغرب وأمريكا، والصين التي تؤكد كل يوم أنها طرف في كل المعادلات السياسية، والعسكرية والاقتصادية، هي جزء من منظومة عالمية كبرى تريد أن تأخذ دورها في كل العمليات، ونحن طرف لا يمكن أن يغيب عن دولة بهذا الحجم والأهمية..