لا ترغب الحكومة السورية في الاعتراف بوجود صراع بينها، وبين المواطنين، وكيف اختارت الرصاصة على الحوار مع المعارضة، إلا بشروطها هي، ما فجر ما يشبه حرباً أهلية تريدها حريقاً للجميع، غير أن الضغوط العربية والدولية وضعت السلطة في الزنزانة الضيقة، أي أن الحصار الذي خلق أزمة وجود للحكم، بدأ يبحث في الظلمة عن طريق يؤدي إلى إطالة الأزمة لا حلها..

جامعة الدول العربية وضعت شروطاً لتجعل سورية تعبر من المضيق الصعب إلى برّ الأمان، لكنها استهانت بالموقف العربي، معتقدة أنه فرقعة سياسية، لا تفرض عليها الانحناء مراهنة على انقسام جبهتهم، غير أن الجدية في التنفيذ وإعطاء المهلة النهائية، لغلق الدروب على أي مراوغة، أو إطالة عمر المباحثات، جعلها تلجأ لأساليبها القديمة بقبول الانحناء للرياح العاصفة، وهو ما وعدت به أنها ستوقع على الشروط، ويبقى التوقيع مجرد البداية، لأن الشكوك بتنفيذ وجود المراقبين بدون التضييق عليهم أو توجيههم قسراً بالاتجاه الذي تريده السلطة، سوف تعيد النظر في فائدة الاتفاق، طالما الدول العربية ليست غريبة عن الكيفية التي تدير بها دمشق سياستها، وتلاعبها بالمواقف والكلمات..

من مصلحة سورية الحكم والشعب، أن يخرجا من عنق الزجاجة، لأنه لا يوجد طريق ثالث يمكن عبوره بسلام، فالشعب يواصل ثورته، ولم تعجزه كميات الدم المستنزفة من الشهداء، وفقدوا الأمل بإصلاح جذري، لأنهم عملاء مدسوسون، وهي صيغة للهروب من الواقع بمبررات ساذجة لم تعد تنطلي على مراقب ينظر بعينين مفتوحتين، لما يجري على الأرض السورية..

فالشجاع هو من يعترف بواقعه ويحدد خصومه ليحاورهم بدلاً من قتلهم، والحكومة السورية تجدف بالسراب، وتشعر بوطأة حالات الانسلاخ من مؤيديها إلى الجبهة الأخرى سواء أكانوا عسكريين أم مدنيين، ولعل من اعتمدت عليهم، أدركوا أن الأوضاع تتجه إلى التصعيد وخسارة الحكومة غطاءها الأمني والاقتصادي وهما مرتكز قوتها، وهي تدرك أن القبول بحل عربي أفضل من التدويل، ومع ذلك هناك من يشكك في النوايا السورية بناء على سجلها الطويل في المخادعة..

لا أحد يريد عقوبة لسورية أو جعلها تغرق في بحر من الدماء، أو تصل إلى حالات التقسيم، لكن ما فعلته السلطة نموذج للانتقام باعتبارها البديل الموضوعي، أو الانتحار الجماعي، والغريب أن ما حدث في البلدان الثورية، لم يكسبها التجربة الناجحة بخلق مناخ يبعدها عن الحالة التي وصلت إليها..

الجانب التركي، لايمكن إنكار تأثيره في الواقع السوري، وضغطه أكثر مواجهة مع التأييد العراقي، باعتباره قوة اقتصادية وسياسية لديه ما يجعله وسيلة لسياساته، وتمرير أهدافه، وهو أكثر موضوعية وعقلاً عندما حاول منذ بدايات الأزمة التوصل لحل ينقذ السوريين حكومة وشعباً، لكن إدراك القيادة، وعنادها، والاعتقاد بأنها ستحسم المشكلة بالقوة، غيرت مجرى العلاقات بين البلدين من الإيجابية إلى السلبية..

في مقابل ذلك أصبحت إيران تحت حصار آخر، وتحولت همومها في صدامها مع العالم الخارجي المؤثر، ليبعدها عن مشاكل سورية، وقد أوكلت مهمتها للعراق الحليف المستتر، ومع ذلك فكلّ الاتجاهات أصبحت تغلق على دمشق المنافذ، ويبقى المشروع العربي هو الوسيلة للخروج من الغرق بطوفان الحرب المعلنة بين الشعب وحُكمه..