بسقوط عدة دكتاتوريات بدءاً من صدام ومن هم على الطريق لن يختفي الأرشيف السري لهذه الدول، وسيكون مصادر إدانة هائلة لمن وقفوا مع تلك الأنظمة، سواء أكانوا أبواقاً إعلامية يلمّعون صورها، أم خط دفاع يحاربون كلّ من كان ضد سياسة تلك الأنظمة وتعسفها..
بيروت من الخمسينيات، وحتى بداية الحرب الأهلية، كانت المقر الأساسي للعبة الإعلام العربي والعالمي ممن بنوا امبراطورياتهم على حساب تناقضات القوى الكبرى، أو صراعات الأنظمة العربية التي انقسمت بين الشرق والغرب، حتى إنه كان لكل سفارة صحيفة وكتّاب سريعاً ما ينتقلون لسفارة أخرى، ولم يقتصر الأمر على اللبنانيين فقط، بل هاجرت إليهم أموال موّلت صحفاً بهيئات تحرير عربية، تماماً مثلما كانت الصحافة المهاجرة للخارج في لندن وغيرها..
صحيح أن تلك الموجة خفت أمام وعي المواطنين، وتعدد وسائل الإعلام والتواصل الحديثة، لكن بقيت رموز لا تزال تتصدر الرأي، وضيافة المحطات الفضائية تعيش على نفس الإيقاع وتسير مع من يدفع أكثر، وقد هدد القذافي قبل قتله بكشف أوراق أرشيفه، وفضح العديد من الوجوه، سواء من كانوا يتجسسون لصالح أفكاره، أو من يسوقون ويلمّعون صورته، وقد تكون الوثائق التي لم تُكشف في الملفات السرية في تلك الحكومات، أسلحة مزايدة، أو فضحاً للعديد من الوجوه، خاصة التي تروج للمثل والحريات، وتصنف الجماعات والدول وفق رؤية النظام المقابل، وقد استخدم محمد حسنين هيكل أرشيفه في محاربة شخصيات مصرية وعربية الكثير منها من تأليفه وتدوينه، لكن ما تخبئه الأوراق السرية يبقى مفتوحاً لورثة تلك الأنظمة ممن سيفتحونها للاطلاع وإدانة النظام وأتباعه..
الآن هناك أكثر من لاعب في سوق الإعلام العربي، دول إقليمية وعربية تدفع وتستضيف رموزاً إعلامية ودينية لصالح انتشار أفكارها وتأييد سياساتها، لكن مثلما ظل الأرشيف البريطاني هو من ملك أخطر وثائق التجسس والعملاء، وإدارة الصراعات العالمية، وكشفها باسم حقائق التاريخ، فإن أرشيف الوثائق العربية قابل لأنْ يكون وسيلة لكشف حقائق تفضح العديد من الوجوه البارزة، والتي اتسعت نجوميتها على الصعيدين العربي والعالمي..
قد لا يقتصر الأمر على الداخل العربي، فالقوى الكبرى توظف عملاءها وقد اخترقت الأنظمة العالمية، ومنها العربية، ونذكر كيف كان الشيوعيون العرب عملاء للسوفيات حتى داخل بلدانهم، وكذلك الغرب الذي وظف الإعلام ودفع الرشاوى في الحرب السرية داخل المنطقة، ولا تزال ركائزهم قائمة، تتبدل وفق الخطط والأهداف ، وربما يأتي الوقت برفع اليد عن الوثائق التي تلاحق الأشخاص حتى بموت أصحابها أو تقادم الزمن عليها، حيث تبقى وثائق إدانة لأصحابها في كل ظرف وزمن..
وعلى مرّ التاريخ وجِد من يعادون أوطانهم في الظروف السهلة والصعبة ولكن الماضي كُتبت وقائعه في الحاضر، بمعنى أنه لا شيء يظل طي الكتمان إذا كانت الحقيقة أقوى عقوبات الزمن..