لابد من حسم المواقف وبقوة، والاجتماع الوزاري العربي الذي انعقد في القاهرة نجح، لأننا محتاجون لأنْ نرى وجهاً عربياً جديداً يخالف المنظور القديم، وعملية أن تجمّد الجامعة العربية عضوية سورية، وسحب السفراء العرب منها، إلى جانب عقوبات اقتصادية، هي العمل المطلوب لحفظ ماء وجهنا أمام العالم كله الذي كان ينتظر هذا القرار..
والموقف الدولي سيكون مسانداً ومساعداً، ولعلنا نعيد ذكريات حرب ١٩٧٣م عندما أجمع العرب على خوض المعركة مع إسرائيل، وسجلنا نجاحاً ليس في ميدان المعركة فقط، ولكن بحظر النفط الذي سمته بعض الدول الكبرى بالحرب العالمية الثالثة، وسورية ليست إقطاعية يتحكم فيها حكم ظالم طائفي جاء للسلطة على ظهر دبابة، فالعالم تغير، وزالت الفوارق بين الشعوب والحكومات، لكن سلطة دمشق تريد أن تقلب الشروق إلى غروب..
فالهجوم الذي تعرضت له حماة، وراح ضحيته عشرات الآلاف بين قتيل وجريح وفي غفلة من العالم آنذاك، لايمكن تكراره، وبلغة السلاح، فالحكم، بطبيعة الواقع منتهي الصلاحية، وعملية بقائه تشترط تصالحه مع شعبه، أو زواله، والشعب لم يعد يقبل أنصاف الحلول لنظام اتخذ من فاشية إيطاليا، وجبروت الستالينية خطاً لا ينحني، لكن كسْر إرادة الشعب هو أمر صعب وعسير..
فإذا كانت ثقافة الحكم هي فرض القوة واشتراط زوال الشعب مقابل النظام، فالمعادلة معكوسة، أي زوال الأقلية لمصلحة الأكثرية، وحماية الشعب السوري مسألة عربية لا نزاع عليها، حتى إن من امتنعوا عن التصويت أو عارضوا القرار، لا يستطيعون تبرير مواقفهم بأي منطق كان..
فالجامعة العربية ظلت وعاءً فارغاً إلا من بعض الاجتماعات التي لا تعطي أي حل، لكنها في هذا الظرف بالذات، اتخذت ما كانت تأمله الجماهير العربية منها، فالمواطن العربي لم يعد خارج دوائر التأثير، فكلّ من قادوا الثورات، هم أبناء جيل لم يدجّن، أو تذهب آماله في الوحدة والتضامن والاتحاد، إلى آخر تلك السقوف التي انهارت على الآمال، فهؤلاء جيل عالمي في رؤيته، وعربي في حضوره، وعملية رفض الشعب السوري الاستسلام مهما كانت النتائج، هي عنوان بطولة عظمى..
المستقبل العربي الذي طالما تنازعته قوى الخارج مع حكومات الداخل، سواء زمن القطبية الثنائية، أو الواحدة، أخرج المواطن من سراديب العتمة، وإلغاء الذات، إلى أمة وليدة بدأت تأخذ احترامها عندما ناضلت من أجل الحرية، وخارج سواتر وأسوار القمع والتشريد..
دمشق ومدن سورية وقراها، تحتفل بهذا الموقف، لأنه يعزز جانب صمودها ضد المظالم الكبيرة، والحكم بدأت تضيق عليه المخارج فإما أن يوقف مذلاته، أو يزول بإيقاع قوة الواقع..