بعد غياب طويل، عدت الليلة الماضية الى المقهى الذي اعتدت ارتياده. وجدت الشيخ الوقور جالسا كعادته يحدث عددا من الشباب عن الاحداث الحالية وما يجري في البلاد.

ما ان رآني حتى قال: اهلا اهلا.. لقد سمعت انك قمت بزيارة لأمريكا وبريطانيا. اخبرني باختصار، ما هي الانطباعات التي خرجت بها من زيارتك للبلدين؟

قلت: يا سيدي.. لقد كنت اظن دوما انه بالنسبة الى الذين يعملون في مجال السياسة، يكون عماد مهنتهم الصدق وتحري الحقيقة. لكنني صدمت، عندما شاركت في نقاشات مع امريكيين في مؤسسات محترمة مثل «هرتيج فونديشن» و«المعهد الديمقراطي الامريكي» واكتشفت انهم جميعا ضحايا أكاذيب سافرة. ان اسوأ انواع الكذابين هم من يشوهون الحقيقة، ويرفضون الاقرار بأن هذا التزييف والتشويه هو شكل من اشكال الانتحار البطيء. ليس هذا فحسب، بل هو ايضا طعنة مسمومة لصحة المجتمع البشري».

استمع الشيخ الوقور الى ما قلت، وصمت قليلا، ثم قال: اننا نتعلم كل يوم ان امخاخنا البشرية تتكون من البوتاسيوم والفوسفور، ومن الادعاءات والسياسة. لكن عندما تحاول ان تجعل الصدق والحقيقة جزءا من السياسة، لن تكون هناك سياسة اصلا».

الحقيقة هي ان اللغة السياسية قائمة في جوهرها على تصوير الاكاذيب على انها حقائق، وعلى تقديم الفوضى على انها قيمة محترمة.

سألت الشيخ: هل تعتقد ان هذا ينطبق على كل الساسة بلا استثناء؟

اجاب: ليس بالضرورة. لكن معظمهم هكذا، وخصوصا اولئك الذين يطلقون على انفسهم ساسة معارضين.

صمت الشيخ قليلا، ثم واصل الحديث وقال: استمع اليّ جيدا وتأمل مليا ما سوف اقوله لك.

اننا نعيش في عصر يتم فيه عن عمد احتقار المنطق السوي السليم.

سألته: كيف؟

اجاب: اننا عندما نمرض، نريد ان يعالجنا افضل الاطباء. وعندما نريد ان نقيم مبنى، نريد ان يشرف على بنائه افضل المهندسين. لكن عندما يأتي الامر الى السياسة، فاننا لا نجد أي بأس في ان ننصت الى من يرددون الاكاذيب، ومن يقدمون الوعود الفارغة التي لا يستطيعون تحقيق أي منها. نحن نشهد هذا في الشرق الاوسط بالذات، حيث نجد الساسة الجدد يرفعون ويرددون نفس الشعارات الفارغة القديمة.

اننا نشهد تغيرات كثيرة. لكن علينا ان نسأل: تغير من ماذا الى ماذا بالضبط؟ . في الماضي، كان على الساسة ان يتعلموا كيف يتملقون القادة. اليوم اصبح الهم الاساسي للساسة وشغلهم الشاغل هو تضليل الجماهيرالجاهلة.

النقطة الاساسية التي احاول تأكيدها هنا، انه لا الثورات ولا الانتفاضات سوف تقود الى اصلاح أي امة . الذي يمكن ان يغير أي امة نحو الافضل هو وعي الشعب بواجباته، وذلك لكي يحصل على حقوقه.

اننا اذا تأملنا جيدا التغيرات الكبرى التي شهدها العالم عبر قرون، فسوف نكتشف ان الامم التي استطاعت تحقيق انجازات اجتماعية وسياسية كبرى لم تفعل ذلك عبر ثورات، بل عبر الاصلاحات الجادة .

وتعتبر الثورة البلشفية مثالا بارزا هنا. فقد تغيرت روسيا، لكن هل كان هذا التغير نحو الأفضل ام الأسوأ؟

واليوم، نحن نشهد الفوضى منتشرة، ليس فقط في العالم الثالث، لكن ايضا في المجتمعات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، وربما ستمتد قريبا الى اجزاء اخرى في اوروبا الغربية. والعامل الاساسي وراء الغضب وعدم الرضا ليس النظام السياسي، وانما قلة انتاجية الناس انفسهم في ظل النظام.

وتعتبر اليونان مثالا حيا على ذلك. اليونان كانت عبر تاريخها الطويل اكبر «ورشة عمل» ثقافية وحضارية في العالم. اليونان شهدت مولد الحضارة العلمية الغربية، وانجبت سقراط وافلاطون وارسطو. ولنا ان نتساءل: اين اسهام احفاد هؤلاء العمالقة العظماء اليوم مقارنة بما قدمه اجدادهم؟

سألت الشيخ: هل يعني ما قلته ان العالم كله يتجه نحو الفوضى؟

اجاب: عندما نصبح بلا عقل، تسير سفينتنا بلا دفة ولا بوصلة.

وقبل ان نغادر المقهى، قال الشيخ: تذكر دوما انه ليس في العالم كله شيء اشد خطرا من الجهل وما يرافقه من غباء!