رحم الله سمو ولي العهد الأمير سلطان في مثواه الأخير فكل من رافقه وعرفه، أو اتصل به سجّل انطباعات تشهد له بإنسانيته وقدراته الإدارية، وتسخير تجربته الطويلة مع والده العظيم وإخوته الملوك في خدمة وطنه وأمته العربية، وعالمه الإسلامي، ولم يترك للآخرين إضافة جديدة لأن غنى حضوره على المدى الطويل أضفى عليه الصفات والأفعال الرائعة..
منذ البدايات الأولى في وظيفة الحرس الملكي، وهو الشاب اليافع، مروراً بإدارته عدة وزارات إلى أن استقر في وزارة الدفاع، ثم نائباً لرئيس مجلس الوزراء فولياً للعهد، لم يترك مهماته الرسمية والشخصية، والتزامه بأداء واجبه الذي شهد له أنه نموذج للأب والأخ ورجل الدولة في كل تاريخه..
المشاهد التي نراها على المستوى الوطني، والعربي والدولي، وهي تودع هذه الشخصية الكبيرة، عبرت بشكل عفوي وبإجماع تام، عن الأدوار التي عطرت تاريخ سموه، فهو حاضن الأطفال وخاصة أصحاب الإعاقة، والمتبسط مع الكبار في أي مناسبة يشهدها، وأبو الفقراء في المشاريع الكبيرة التي أسسها ومنحها وقته وماله، والمحصلة أعمال تليق به وتبني له تاريخاً رائداً..
ففي زمن المواقف الشجاعة كان يتحرك سياسياً وعسكرياً، واستطاع بدبلوماسيته الواعية، حل تعقيدات سياسية، ودخل في وساطات نجحت، وأسس صداقات دولية أعطت للمملكة دوراً محورياً في المنطقة العربية وخارجها، ولا نستطيع مغالطة أنفسنا فقد خرجنا بوحدتنا من البلد الفقير إلى عضو في مجموعة العشرين الأكبر اقتصاداً في العالم، وكأي دولة تعاملت مع أحداث مختلفة، ولكنها نجحت لأنها تعاملت مع الظروف بحس المسؤولية الأدبية والأخلاقية، ورفض التدخل في شؤونها أو غيرها..
الراحل الكبير علامة مهمة في مشروعنا الوطني، وقد عزز بوجوده، المسار الذي قامت عليه سياسة المملكة، التي رفضت الاندفاع للفوضى في أول عقود الخمسينيات والستينيات، كما رفضت أن تنحاز لقوة عظمى تخالف مبادئها ونهجها في وقت كان شبه التبعية لليسار أو اليمين موقفاً قائماً للعديد من دول المنطقة، ولم تكن قواتنا المسلحة مسخرة للدخول في شؤون الغير أو الاعتداء عليهم، وهي استقلالية قادها الأمير سلطان، ولا تزال ميزة جنبتنا الكثير من المزالق، لكننا أمام واجباتنا، سواء مع الأشقاء في الخليج أو غيرهم لم تذهب قواتنا لغير واجباتها..
فالمملكة درجت على أن تتخذ من قيمها نموذجاً مختلفاً، فلم نخضع لاستجداء أحد، بل كنا ولا نزال أصحاب المبادرات والدعم المادي والمعنوي دون تفريق بين جنس وآخر، أو دولة وأخرى حتى إن الأمير سلطان صاحب المشاريع الخيرة ذهب إلى خارج محيطه الوطني لأفريقيا وآسيا، وكان عوناً للشعب الفلسطيني بشكل خاص وبشعور السند والصديق لهم..
عصر أمس، وفي مشهد هائل في توديع أبي خالد، الكل ودعه جسداً ولكنه لم يودعه فعلاً وتاريخاً، ولعل صورة الوفاء من قبل خادم الحرمين الملك عبدالله وهو يستقبل جثمان أخيه سلطان، كانت في غاية التلاحم الأخوي والروحي، وهي ليست غريبة على وطن عرف مثله وقيمه العظيمة..