هل جاء استعداد إيران للنظر في اتهامات أمريكا بتورطها في قتل السفير السعودي في واشنطن مجرد امتصاص للدعوات الدولية بإنزال عقوبات جديدة، أم أن الموقف خرج من نطاق حرب التصريحات إلى اتخاذ خيارات أخرى عندما يعرض الموضوع، بدلائله على مجلس الأمن؟
قبول النظر جاء بدافع جدية دول العالم باعتبار ما حدث انتهاكاً لسيادة دولة أياً كان موقعها وأهميتها، ومخالفةً للنظم والقوانين المتفق عليها دولياً، وأمام هذا الموقف الجاد، فضلت إيران قراءة الموقف خوفاً من تبعاته، وقبوله شكلاً، والاعتراض عليه مضموناً.
ففي حال لم تبالِ بالرأي العام الدولي، فإنها ستواجه إدانة تتبعها عقوبات كبيرة وربما خيارات أخرى حسب ما قالت السلطات الأمريكية، في إشارة لاتخاذ موقف عسكري، كذلك في حال الإقرار بالحادثة، وهو أمر صعب أن تعترف به إيران، فالأمر سيترتب عليه ما هو أخطر، ولذلك تضيق الخيارات أمامها، ولعل من شكّك في الأمر، أو اعتبره توقيتاً متزامناً بتخفيف الضغط على سورية ونقل المعركة لجبهة أخرى في الداخل الإيراني لا يصح أن يكون مناورة سياسية أمريكية في إدخال عدة أطراف في قضية واحدة، ومطالبتها بأن تبرز بالوثائق الجريمة لن يكون مطلباً إيرانياً فقط، بل لابد من كشفه لأعضاء مجلس الأمن، والذين لن يسمحوا بتمرير أي قرار إلا بوقائع حقيقية ثابتة..
الأمر لا يتعلق بالرغبة من عدمها في قبول إيران الاطلاع على الواقعة، إذ إن سيناريو الجريمة ورّطها دولياً، وهي تحاول امتصاص الصدمة بإحداث تغيير في موقفها، لكن ذلك لا يعني براءتها من ملاحقات قانونية دولية، ويكفي تعدد التصريحات وتحويلها إلى تهديدات، أو أن أمريكا افتعلت الموقف حتى تقفل العيون عما يحدث من مظاهرات في داخلها بسبب الأزمة النقدية، وهذا لا يحتاج إلى حجب طالما التظاهرات تنقل بوسائط إعلامية أمريكية، عكس ما يجري في إيران حيث إن أي فعل يحاط بالسرية والمنع، حتى لو جاء على شكل تظاهرات احتجاج ضد تزييف الانتخابات..
فائدة أمريكا أنها تستطيع انتزاع انتصار معنوي، وبدء مساومات أخرى سواء على صعيد العلاقات السياسية، أو تجريد إيران من دعم لمنظمات وأحزاب، تراها أمريكا إرهابية تخضع لمشيئتها، حتى إنه في سياق هذا الحدث، اجتمع أعضاء في حكومة البلدين لكشف الحقائق في ملابسات المؤامرة، في وقت نفت فيه إيران أي اتصال مع أمريكا!!
ما تخفيه العلاقات السرية بين بلد وآخر حتى لو كانا عدويْن، تفضحه المواقف اللاحقة، وإيران التي طبّلت وزمّرت ورفضت الاتهام باعتباره مسرحية أمريكية، عادت لقبوله وهي ليست مهارة في المناورة التي تجيدها في بعض المواقف، لكنها تريد دفع أقل الأضرار في موقف معقد ومخيف..
نعم لا أحد يعوّل على أمريكا بصداقة أو عداوة، فهي كأي دولة عظمى تجيّر أي حدث لصالح أهدافها، وخلافها مع إيران قد لا يكون دائماً، لكن وجود دولة تتسبب في إحداث قضية إرهابية فذلك يعني الانتقاص من هيبة هذه الدولة من تطاول الآخرين عليها، وهنا سوف تخضع العملية إلى أخذ ورد، ورفض للاتهام أو نشره بوثائقه..
وعموماً إيران هي الخاسر الأكبر، ولن يفيدها العناد أن تكون بريئة من ما خططت له، وحاولت تنفيذه..