قد يبدو في الأمر مفارقة ما‏.‏ إن ثورة ‏25‏ يناير تفجرت أساسا بسبب انعدام العدالة في المجتمع علي جميع المستويات،‏ اقتصاديا وسياسيا واجتماعي، وهكذا خرج المصريون يهتفون‏:‏ كرامة‏..‏ حرية‏..‏ عدالة اجتماعية‏.‏

وبالتالي كان من المتصور أن تصبح العدالة هي الشغل الشاغل للجميع في مصر الآن. إلا أننا فوجئنا ببعض التيارات والقوي السياسية تصر، بل وتقاتل، كي يسود منطقها هي، ومبادئها هي بحذافيرها، وهذا أمر خطير جدا، إذ أنه بدون قبول الآخر لا معني للحرية ولا للعدالة ولا للكرامة التي قامت الثورة من أجلها أصلا!

إن ثورات العصر الحديث تختلف عن ثورات العصور الماضية، إذ إن الزمن الراهن تتمتع فيه جميع القوي بالوعي نفسه, وبالتأييد الشعبي المتقارب في نسبته، فضلا عن تكافؤ الفرص في الإعلام لعرض وجهات النظر المختلفة. ومن هنا فإن لعبة السياسة تتم علي المكشوف، وكله تحت نظر وسمع المواطن العادي الذي سيختار هو بنفسه الفائزين والخاسرين من خلال الصندوق الانتخابي الشفاف ساعة الانتخابات!

ويترتب على ذلك أن على القوي السياسية اللاعبة علي الساحة المصرية الآن أن تضع في اعتبارها مباديء ثلاثة مصيرية إذا كنا حقا راغبين في نجاح هذه الثورة.

فأما المبدأ الأول، فهو احترام وجهات نظر القوي الأخري وعدم السخرية منها أو تسخيفها، والمبدأ الثاني قبول الحلول الوسط مع الاستعداد دائما لتقديم بعض التنازلات لأنك في لعبة السياسة لن تكوش علي كل شيء، وإلا تحولت إلى ديكتاتور! والمبدأ الثالث أن مصلحة الوطن العليا منزهة عن كل غرض، وعن أي مكسب لأي طرف مهما كان!