ترتفع أصوات بعض الإعلاميين، والكتاب في بعض الدول العربية، وتُحرّم علينا ممارسة حقنا في الرأي، ومتابعة ما يجري على الأرض العربية من تحولات، ومتغيرات، وانخراطنا في العملية التقويمية لبعض الممارسات السلبية التي تحدث من قمع للحريات، وإقصاء للإنسان عن فعل المشاركة في الحياة بشتى فروعها، وكافة مضامينها، وحديثنا عن غياب آفاق التنمية، والنمو، والتحديث في بعض الفضاء العربي، بحيث تحول الكائن البشري فيها إلى مستهلك، مفتت، عاجز، وليس كما يجب أن يكون دوره منتجاً، فاعلاً، متفاعلاً، يُشكّل مدماكاً قوياً، صلباً في مسارات الانعتاق إلى الدولة الحديثة، ويمارس دوره الإيجابي في التنوير، والمعرفة، وصناعة مستقبلات الوطن.
ينكر علينا البعض هذا الحق، وكأننا لسنا جزءاً من مكونات هذا الوطن العربي الكبير، الذي يحتاج إلى مكاشفة، ومصارحة، وعلاج لكثير من داءاته، وأوجاعه، وانهياراته، لكي يتعافى وينخرط بشجاعة، وكفاءة ذاتية، وعقول مفكرة منتجة للوعي، والحداثة، إلى العالم الكوني بمنتجه من أدوات، ومضامين العولمة، وأدوات المعرفة، ويرغب هذا البعض أن يُعيّرنا بأننا كنا نسكن في الخيام، ونأكل الجراد، ونستمطر السماء، ونركب الجمال، ونمشي حفاة "!!"، ونحن لم ننكر ذلك مطلقاً، بل هو مصدر اعتزاز لنا، وحالة فخر نتباهى بها، ونتذكرها جيداً حتى في ثقافتنا، ومناهجنا التعليمية، ونجسدها في كثير من مهرجاناتنا التي يحضرها كثير من النخب الفكرية، والعلمية من هذا العالم الواسع.
لا ننكر - أيضا - ولا نخجل، أو نزيّف بأننا ونحن نشهد افتتاح أول مدرسة للتعليم النظامي في بعض مدننا، وليست قرانا، كان بعض العالم العربي يشهد تخريج أطباء، ومهندسين من جامعاته، ويعيش منتج وعي فكري في الأجناس الأدبية، والفكرية، والثقافية، لأن ذاك الواقع، وحقائق الحاضر، ليست منقصة نعيّر بها، بقدر ماهي فضيلة يحفظها لنا التاريخ، ونضالاتنا مع التحديث، وصناعة التنمية، والانعتاق بالإنسان من الجهل، والتخلف، إلى أن يكون باحثاً، وعالماً في مراكز البحث العلمي بدول أوربا، وأميركا.
إذن.. لتسمحوا لنا.
لقد كان النفط عندنا وسيلة، وليس هو من صنع الإنسان في هذه الصحراء، بل وظّفت دخوله، وعائداته من أجل إحلال التنمية، والتحديث في الوطن، وكانت النقلة المبهرة والشاملة إن في البنى التحتية للوطن من طرق عملاقة، إلى منشآت صناعية مبهرة، إلى مستشفيات مؤهلة بأحدث التقنيات الطبية، ومعظم كوادرها، وأطقمها الطبية من السعوديين، إلى ما يدخل في أدق تفاصيل المواطن من ضمان اجتماعي، وتعليم مجاني، وغيرهما كثير.
ليس هذا هو كل شيء.. بل الأهم هو أن مئات الآلاف من شاباتنا، وشبابنا يؤهلون أنفسهم، ويصيغون عقولهم في أرقى، وأفضل الجامعات في العالم، وينخرطون في برامج ابتعاث تهدف لإحلال المعرفة، وتوطين الحداثة في هذا الفضاء الصحراوي الذي كان إنسانه يأكل الجراد يوماً، إيماناً بأن ثروة الوطن عقل إنسانه، وليس النفط.
نستأذنكم أيها السادة، فنحن لا نبكي على الأطلال، بل نفخر بالماضي، ونستشرف المستقبل.