الجدل الذي أثير أخيرا بشأن الدولة المدنية، وذلك عقب إعلان وثيقة الأزهر الشهيرة، يبدو مصطنعا إلى حد كبير.
فالدولة المدنية مهما تعددت وتباينت مسمياتها لها صفات عامة محددة، وهي أنها دولة المواطنين الذين هم أمام القانون سواء، وهي الدولة التي تقوم علي أسس الديمقراطية، وتتحقق فيها الحرية والعدالة الاجتماعية.
وقد جاء تأكيد المجلس الأعلي للقوات المسلحة أمس الأول ـ في رسالته رقم46 عبر موقعه علي صفحته علي الفيس بوك ـ التزامه بإقامة دولة مدنية ديمقراطية، ليؤكد أن جميع القوي الفاعلة في مصر ترى أن الدولة المدنية هي الهدف، وأن الأحاديث عن رغبة البعض في قيام دولة دينية ليست صحيحة، علي الأقل من واقع بيانات وتصريحات القوي السياسية المختلفة في مصر.
لكن المسألة ليست في إعلان النيات، أو حتي في النصوص علي الرغم من الأهمية الكبيرة لها، بل الفيصل هو التطبيق العملي، وللأسف عند هذه النقطة هناك مشكلات كثيرة.
فهناك بعض القوي التي تأخذ القانون بيديها عندما تواجه أي مشكلة، برغم أن هذه القوي تتحدث صباح مساء عن التزامها بالدولة المدنية، والاحتجاجات العنيفة، وقطع الطرق، والتجمهر أمام مؤسسات دينية، واقتحام بعضها، نماذج ساطعة على اتساع الفجوة بين القول والفعل في مصر المحروسة.
ثم إن المواطن العادي ليست لديه ثقافة الدولة المدنية لا في سلوكياته، ولا في تصرفاته، وبشكل صريح فإن غالبيتنا لا تعطي القانون اهتماما لو أنها تأكدت أنها ستفلت من عواقبه، وعدم احترام إشارات المرور أبرز مثال على ذلك.
إذن المسألة في الممارسة وليست في الصياغة والرطانة اللغوية، ولو أحسنت القوي التي تنادي بقيام الدولة المدنية صنعا لبدأت علي الفور زيارات طرق أبواب للقري والمدن للتعريف بالدولة المدنية وشروطها وأهدافها ومميزاتها.
ولو أحسنت هذه القوى صنعا أيضا لجاهدت من أجل إعلان شأن المؤسسات التي تقوم علي تنفيذ القانون وفي مقدمتها مؤسسة القضاء ومؤسسة الشرطة اللتان يجب إعادة الاعتبار إليهما في إطار جديد من الاحترام المتبادل، واعتبار أن الشرطة في خدمة الشعب وليس العكس.
وفي كل الأحوال فإن أمامنا شوطا طويلا لبلوغ هدف الدولة المدنية، لكن المهم هو أن نبدأ ولا نتسكع فقط عند التنظير.