تتعارض التنمية البشرية والاقتصاد مع تجذر الفساد، والوطن العربي نُهب أزمنة الاحتلال، وجيّرت ممتلكاته وإنتاجه لحكومات احتكرت المال لصالح شريحة صغيرة، وفرضت الهيمنة البوليسية على الرأي والنقابات والإعلام وغيرها، وبذلك ساد التخلف في التعليم والصناعة والزراعة، وتحول الإنتاج إلى الكفاف بدلاً من التصدير، وكذلك جلب الاستثمارات العالمية أسوة بدول خططت وخرجت من الحضيض إلى مصاف الدول الصناعية المميزة..

هناك إمكانات مختلفة، ثروات نفطية وزراعية وقوى بشرية قابلة لأنْ تتحول إلى طاقات مهمة في عجلات التنمية المختلفة لكنّ نصف القرن الماضي الذي أغرقنا في وهم الثورات، وتكريس مفاهيم سياسية واقتصادية بعيدة عن الواقع أدى ذلك إلى العجز ثم الشلل الكامل..

فقد اتجهنا للغرب بقطاعيْه الأوروبي والأمريكي، وغرقنا في ديون البنك الدولي والمؤسسات المقرضة الأخرى، وذهبنا للشرق نقايض منتجنا الزراعي وثرواتنا الأخرى بخردة السلاح والآن، والبوصلة العالمية تتجه شرقاً للقارة الآسيوية، هل خططنا مع تلك الدول الصاعدة أو التي رسّخت وجودها على خرائط التقدم العلمي والاقتصادي؛ بحيث نخطط، بمفهوم علمي، لعلاقات جديدة تمنحنا فرص توطين المعرفة والاستثمارات المتبادلة، وبناء هياكل تختلف عن تلك التي وضعتنا على خط التخلف والفقر؟

في حالة الأوضاع العربية المستجدة، أو التي عمّتها الثورات بدأنا نصدّق بوجود حرب باردة موجهة لمصر، وتونس، وكذلك الدول الأخرى التي اندرجت بنفس الخط؛ بحيث وضعت اقتصادياتها بالخسائر الهائلة وبأرقام فلكية غير مؤكدة، وهذا التهويل ردّ الفعل النفسي له كبير على المواطن..

فمن ناحية هناك محاولة ابتزاز دولة مثل ليبيا لديها موارد نفطية كبيرة لاقتطاع جزء من الكعكة الجاهزة، إلى جانب إغراق الدول الأخرى بقروض وبأرباح كبيرة لإعاقة تنميتها، وبانعدام تقويٍم صحيح من قبل الدول العربية للواقع الراهن، فإن الاتجاه سيكون مفزعاً وقد تصل الغايات، غير السليمة، إلى التشكيك بما فعلته الثورات ومدى نجاحها، وهي أهداف تلتقي مع غايات الكثير من الدول التي وضعت في صلب استراتيجياتها وقفَ أي عمل اقتصادي ناجح يقوده عمل سياسي مستقر، بغية استمرار التبعية لاستعمار اقتصادي يُضعف أي جانب تكاملي عربي..

هناك أموال مهاجرة عربية كبيرة، هربت بسبب السياسات الغوغائية، وهناك كفاءات في كل الحقول، لم تجد المناخ الذي تستثمر فيه عقولها، أمام بيروقراطيات حكومية كرست عملها لحماية نفسها بأجهزة القمع المختلفة، وطالما هناك تنافس عالمي على المواقع العالمية ذات العوائد الجيدة، فالاتجاه إلى الجوار الآسيوي يجب أن يكون خططنا للمستقبل البعيد إذ كل المؤشرات، وتحديداً، الغربية تضع الصين والهند، واليابان والكواكب الأخرى، في مركز الثقل لهذا القرن، والقرن القادم، ونحن نحتاج إلى بلدان ليست لديها أحكام مسبقة تجاهنا، أو عقدة التاريخ الماضي، وآسيا هي ميداننا بزواج إمكاناتنا مع ثرواتهم العلمية والاقتصادية، وهي فرص علينا دخولها بدون تمنّع أو مخاوف..