خطوة إيجابية تلك التي اعتمدها المستثمرون السعوديون لإنشاء (بنك تنموي) في مصر برأس مال (مليار جنيه) لغرض تقديم قروض للشركات الصغيرة والمتوسطة، ولعلنا نتذكر تجربة محمد يونس- الحائز على جائزة نوبل- في بنجلاديش؛ عندما قدم لمواطنيه (منهم تحت خط الفقر) قروضاً قصيرة أثبتت أن تلك الطبقة أكثر صدقاً في سدادها، الأمر الذي جعل بنك الفقراء ظاهرة عالمية تستحق التقليد..
المال العربي من المؤسف أن ليس له الدور الإيجابي بمفهومه الوطني، وقد نادينا من خلال منبر هذه الجريدة بوقف الاحتكار والغلاء ورؤية هذا المال يسهم في أعمال تحسن من آوضاع المواطن، إذ لا نجد من يتفاعل مع حاجات مواطنينا للسكن أو القروض أو فتح مستوصفات ومستشفيات مجانية، بل إن هيمنة ثلاث شركات على المشاريع- بدواعي لا نجد لها مبرراً في هذا الاحتكار- لا نجد لها إسهاماً فاعلاً، بل إن مكاسبها وتوطين رأس مالها يذهب للخارج، وعمالتها أجنبية، وقس عليها التجار الآخرين ممن يتعاملون بالأدوية والأغذية، وأدوات البناء، وممن يدخلون نفس الصف عندما لا نرى منهم إلا بعض التبرعات غير السخية، وبطلب من هيئات إغاثية ومؤسسات خيرية، بينما لو تم تحصيل زكواتها فقط، وذهبت لبنك يماثل ما سيحدث في مصر، لقضينا على العديد من المشاكل، أو لو أن الدولة سنت ضرائب على المكاسب وليس رأس المال لربما حلينا عقدة البطالة، وانتشار العمالة الأجنبية، وتضاعف سكان المدن..
كنا نصف، في كل مناسبة جبروت وشراسة الرأسمالية الأمريكية التي كانت أحد أسلحة الدولة العظمى، غير أن صحوة ضمائر «بليونيراتها» مثل «بل جيتس» ورفاقه الذين تبرعوا بأموالهم لأعمال خيرية- وبدافع إنساني فقط- أثبتت قيمتهم الاجتماعية، ونحن لا ندعو تجارنا إلى الاقتداء بهم، لكن للوطن حقاً أن يرى عملاً صادقاً ومبادرات مماثلة..
هناك مقولة إن الدولة غنية وعليها تحمل أعباء الوطن، وهذا صحيح، لكن عوائد الدولة تصب في حقل رجال الأعمال والشركات، وهناك امتيازات منح الأراضي الصناعية والقروض، والاعفاءات الضريبية والجمركية على المستوردات من أجل المشاريع، ولا يقابل هذا السخاء بما يوازيه، بل إن رفع سعر الكهرباء أو الوقود يجعل أصوات التجار تتعالى، قبل أن يحولوها سبباً لرفع الأسعار على المواطن..
خذ الغرف التجارية ومجلسها، كل ما تعمله جني مكاسب، وأعضاء يعملون في خدمة زملائهم، ومن هذا المنطق نحن لا نستجدي، بما أن المواطنة ليست سلفة قصيرة تسدد في وقتها، وإنما هي خدمة متبادلة، وهذا ما تنقص رجال أعمالنا المبادرة به، خصوصاً وأن ترتيب أكبر مليونيرات العالم ممن يعلنون ثرواتهم نجد من بينهم العديد من رأسمالينا الذين يتباهون بالوصول إلى هذه الرتب..!
هل يقدم بعض التجار ممن يملكون الثروات على خصم جزء منها في إنشاء بنك إقراض أو القيام بأعمال إنسانية أخرى أسوة بالخطوة التي ستحدث في مصر، أم أن هذه السطور ستكون مجرد صوت في وادٍ؟!