تصوّر نفسك في لحظة ما وقد تحولت «بليونيراً» تدفقت عليك الملايين من خلال عشرات المنافذ، وقفزت رغباتك إلى امتلاك «اليخوت» بطواقم طباخين فرنسيين، وخدم إنجليز يعملون وفق انضباط قصر «باكنجهام» وحراس عتاة من ألمانيا، وأنامل ناعمة للمساج من تايلند.. ساعات وحلي مختلفة، ملابس من أشهر دور الأزياء، سيارات فارهة، مصفحة ضد القنابل ورصاص البنادق، طائرة للرحلات البعيدة، وأخرى للقصيرة، قصور وفنادق، ضيوف من الطبقات المخملية، وإدارة أعمال تدير التجارة والحياة الخاصة، ترتب المواعيد والصفقات والانتقال بين القارات ودوائر العمل مع الشركات والبنوك، وكل ما له علاقة بتبادل التجارة، ووسط هذه الإمبراطورية لديك أمٌ تصلي الفروض الخمسة وتحج وتعتمر، وتتصدق من أموال الابن، والتي لا تعلم مصدرها وكيف جاءت، لكنها أموال ولدت من رحم حرام في تعاطي التجارة في كل الممنوعات، ومع ذلك من يتحمل وزر التصرف السيئ والإنساني، وهل ما تقوم به الأم المؤمنة عمل صحيح لأنها تنفق من مال مجهول لها، وربها يعاملها وفق حسها وتقواها؟

لا توجد مُثل عليا متحققة بالأفراد العاديين، فهل الإنسان مفطور على الأنانية والكسب بأي وسيلة، أم أنه يولد طاهراً تشكّل سلوكَه بيئته؟! والاختبار الأهم أن الندرة هي المقياس لمن يتاح لهم الحصول على المال ويرفضونه بدوافع الرادع الأخلاقي، والأكثرية هي مَن يغريها..

كل علماء الأخلاق وفلاسفة علم الاجتماع ورجال الإصلاح عالجوا هذه القضايا، وحللوا نوازع الإنسان والمؤثرات المحيطة به، لكنها ظلت قاصرة في الوصول لحقيقة الشخصية الإنسانية، ولعل إحدى التجارب كانت مثيرة وصاعقة، فقد تم وضع أشخاص أسوياء في أحد السجون الأمريكية وبدأت مراقبتهم، والذي حدث أنهم خلال عدة أشهر انقلبوا أشرس من السجانين يعذبون ويقتلون بدوافع غريزية حيوانية، والبعض منهم خرج للمصحات العقلية ليعالج من الصدمات، وخرج العلماء بنتيجة أن الإنسان يتعامل مع فيزياء خاصة لا تقاس بغيره من حيث انقلاب الطباع والسلوك..

ليس المال هو من يقرر السعادة، وليس الفقر هو من يفرض الجريمة، والدليل أن المليونير الأمريكي «بيل غيتس» وهو الأغنى في العالم بقي متقشفاً، وهو من حصل على بلايينه بعبقريته، فقام بالتبرع بها للأعمال الخيرية وتبعه مجموعة أخرى قاموا بنفس الدور، وقد وجد لذته في هذا العمل، ولم تهمه مظاهر الجاه المالي، وهذا التصرف التلقائي لا يبتعد كثيراً عن المكوّن الأساسي للتربية الأولى، والتي صاغها الوعي الشمولي بإنسانية الإنسان..

الحلال والحرام معادل يفترقان عند مبدأ القيم، وهنا كيف تأتي يقظة الضمير أو موته، وهذه الكلمات ليست وعظية، وإنما هي تصوير لواقع نعيشه، والمحظوظ من يلائم بين شخصيته السوية والسيطرة على نوازعها، وبين من يتركها بدون ضوابط، ويبقى الضمير الحكم المطلق أمام من يرى الألوان ويفرّق بينها..