الولايات المتحدة تتخبط في المنطقة وسط ما يجري فيها من تطورات متلاحقة لا تناسب سياساتها، ومواقف إدارتها المتناقضة توحي بحال عدم الاتزان التي تلفها منذ اليوم الأول لأحداث تونس وما تلاها في مصر التي بدأت عبر جماهيرها المليونية تعيد الاعتبار لعروبتها وأصالتها وموقعها الريادي.
وتخبّط الإدارة الأميركية هذا لا يعني بالطبع أنها رفعت أيديها، وانحنت أمام عاصفة هذه الثورات والانتفاضات العربية، فهي تتحرك في السرّ والعلن في كل الاتجاهات وعبر مختلف الأدوات في محاولة لاحتواء هذا الذي يجري، والذي يمكن القول عنه إنه بداية حقيقية فاعلة لنسف ما نسجته الولايات المتحدة في المنطقة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً من نهج موال وموائم لما تريده إسرائيل في بعض الجنبات العربية وفي مصر بالتحديد.
لذلك من الغباء الاعتقاد أن الولايات المتحدة ستقف عند حدود معينة في رد فعلها الاقتصادي والسياسي والتضليلي والاستخباراتي، فالمسألة بالنسبة لها شديدة الحيوية وحتى مصيرية إذا ما تعلق الأمر بإسرائيل، مع الأخذ بالحسبان في هذا السياق أن ما يقوله الأميركيون، بمن فيهم الرئيس أوباما، عن مصر وثورة شعبها غير ما يضمرونه، ويعملون في الخفاء من أجل تحقيقه دون أي إبطاء، وقبل أن تصل الأمور إلى خواتيمها.
ويخطئ ألف مرة من يظن أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون حريصة على حرية الشعب المصري وديمقراطيته، أو على تحسين مستوى معيشته، فما يهمها هو مصالحها ومصالح إسرائيلها، ولا مانع عندها أن يفنى نصف الشعب المصري إذا كان ذلك ثمناً لتلك المصالح.
ولا يغيب عن بال أحد أن إسرائيل تستطيع أن تستنفر كل الولايات المتحدة وقواها العظمى لأشياء بسيطة وتافهة ولا صحة لها أحياناً، فكيف يكون الحال عندما يتعلق الأمر بثورة شعبية مصرية على النظام الحاكم الذي عقد معها اتفاقية كامب ديفيد بكل ما تعنيه؟.
في كل الأحوال، التطورات تتلاحق في المنطقة إلى ما لا تشتهي الولايات المتحدة، وبما يدعم العروبة والمقاومة والتلاقي العربي الحقيقي، وفي المقابل فردات الفعل الأميركية والإسرائيلية والغربية بوجه عام متسارعة أيضاً، ومن الواجب عدم الاستهانة بها رغم أن كل المؤشرات تؤكد أن الغلبة ستكون للقواعد الشعبية العربية التي تصدت لمن استهتر بها، واستطاعت أن تستعيد إرادتها وقرارها.