نتواصل للعام السادس، ونتناول هذه المرة عملاً توثيقياً آخر محوره الصورة، فهي تعني الكثير، فلكل إنسان ذكرياته التي تبقى عالقة بالأذهان على مر السنين، في مواقع مختلفة..

فالصورة هي الحكاية والرواية، لأنها تظل عالقة، تذكرنا بالأيام الحلوة والبسيطة التي نتمناها أن تعود.. »كانت أيام«، تتمثل في الصورة الفوتوغرافية القديمة كذكرى جميلة عاشتها الرياضة الإماراتية، فالصور مختلفة ومتنوعة، تحكي قصة رياضتنا على مدار خمسين سنة مضت..

وننقل لكم عبر الصورة أهم الأحداث والمناسبات التي شهدتها الساحة. وخلال الشهر المبارك، نحاول أن نلقي الضوء عبر حلقات توثيقية تحكي البدايات، فالصورة الرياضية لها قصص مثيرة، واليوم نبدأ بقصة وتاريخ الصورة الرياضية عبر الشخصيات والأحداث التي رافقت مسيرتنا..

فمن لا يحفظ ماضيه لن يحفظه مستقبله. من منطلق هذه القاعدة تولّدت الحاجة إلى تدوين الأحداث وحفظ التواريخ والأسماء، وهذه المواضيع التوثيقية جعلتني على مدى السنوات العشر الأخيرة أبدأ المهمة رافعاً شعار »كي لا يضيع تاريخنا الرياضي«. راجياً أن تنال رضاكم جميعاً.

نتواصل مع قاسم سلطان، حيث يجمعني اللقاء به بشكل شبه يومي في المبنى الاجتماعي بالنادي الأهلي، وأستمع إلى ذكرياته الرياضية القديمة التي تحببني فيه، لأنه أحد رجالات الزمن الجميل. بدأ لاعباً قبل أن يصبح أحد صناع القرار الرياضي فترة ما، من خلال مناصبه الكبيرة في المجال الرياضي، فيقول إنه عند التعاقد مع المدرب العالمي دون ريفي في عام 1977، ذهب مرتين إلى لندن:

الأولى مع الدكتور أحمد بالحصا، وبدأ المفاوضات معه سرياً بعيداً عن الصحافة الإنجليزية، ولم يفلح المرة الأولى، ثم ذهب إلى سويسرا، وهناك التقى بجوزيف بلاتر الذي نصح بالتعاقد مع المدرب الألماني كرامر، بينما كان رافضاً التعاقد مع دون ريفي، إلا أنه لم يقنعنا رأي بلاتر، وفي تلك الفترة كان سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان حينذاك رئيساً لاتحاد كرة القدم.

وكان قاسم سلطان أميناً للسر العام، وكان على تواصل مع سموه بخصوص المفاوضات، وإحقاقاً للحق فقد كتب الزميل محمود الربيعي حواره مع قاسم سلطان، ونُشر في الزميلة »الاتحاد« في مارس 2007، نستأذنه في اقتباس بعض المعلومات التي كررها معنا (بوصلاح) من الناحية المهنية، لأنها تخص مرحلة مهمة من عمر الكرة الإماراتية.

وهذه المحطة، قبل أن أروي تفاصيلها، أريد أن أقول عنها إنني حققت فيها روحي وظهرت فيها قدرتي الفائقة على التعامل والتحاور وتوقيع اتفاقية مع أشهر مدرب في أوروبا، وربما في العالم في تلك الأوقات، ولصاحب هذه الاتفاقية دوي إعلامي هائل، ليس في بلادنا فحسب، بل في بلاد الإنجليز، ولن أكون مبالغاً إذا قلت إن هذا الصدى الإعلامي امتد إلى أوروبا بأسرها.

دون ريفي كان اسماً كبيراً في ذلك الوقت، وكان بالفعل الأشهر على الإطلاق إلى جانب المدرب الألماني كرامر.

تفاوض

وتم تكليف قاسم من مجلس الإدارة بالتفاوض مع دون ريفي في إنجلترا أو كرامر في ألمانيا، وقبل أن أبدأ في التنفيذ، توجهت إلى المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، طيب الله ثراه، حيث كان في لندن، ورحب بالمفاوضات، وبتسهيل أي إجراءات قد تمنع من التعاقد مع دون ريفي..

حيث كان الشيخ مكتوم أحد أكثر الداعمين للحركة الرياضية لخدمة المنتخبات الوطنية، فقد حان الوقت لكي نكشف الحقيقة، فقد أمر المغفور له بتقديم كل طلباتنا، من أجل إتمام التعاقد مع الخبير الإنجليزي الذي كان بمنزلة الدعابة الكبرى، وطلبت منه دعم هذه الصفقة، وعلى الفور لم يتردد، كما هي عادة شيوخنا والحمد لله منذ القدم، وكان لي في تلك الأوقات صديق في إنجلترا..

وكان شخصية مرموقة، وقلت له: أريد أن ألتقي بالمدرب دون ريفي، وأرجوك ابذل أقصى جهدك في تأمين ذلك، وبالفعل التقيت بالرجل، وأعطيته فكرة عن الموضوع، ولم يمانع دون ريفي من ناحية المبدأ في المقابلة والتفاوض، وكان ذلك في حد ذاته مفاجأة كبيرة وسارة بالنسبة إلينا في اتحاد الإمارات.

وفي سرية تامة، توكلت على الله، وقصدت بريطانيا، وتقابلت مع صديقي الذي كان قد رتب كل شيء مع دون ريفي، وبالمصادفة هناك التقى بإسماعيل البنا، وهو عضو مجلس إدارة الأهلي السابق، وقد التقينا أيضاً في سرية تامة في أحد المواقف بعيداً عن أعين الصحافة الإنجليزية.

خوف

وكان اللقاء في حد ذاته حكاية، فالسيد دون ريفي كان يخشى أن يعلم الإعلام الإنجليزي بالخبر، وطلب اللقاء بعيداً عن لندن، وبالفعل لم أصدق نفسي عندما التقيته، وكان ذلك داخل سيارة في منطقة نائية من ضواحي العاصمة لندن، وفي السيارة بدأت رحلة التفاوض الأولى..

ولم يكن الرجل هيناً أو بسيطاً في بريطانيا في تلك الأثناء، فقد كان أشهر من نار على علم، وبرغم الاتفاق المبدئي، فإننا اتفقنا على أنه في حال القبول التام فسوف يتم تحرير العقد في الإمارات، بحضور سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، رئيس الاتحاد.

ولم أغادر إنجلترا بعد الاتفاق مباشرة، بل حرصت على مقابلة زوجة دون ريفي، ووجهت إليها دعوة لزيارة الإمارات، وكنت أقصد استخدامها للتأثير في زوجها حتى لا يتراجع، وبالفعل لبّت هذه السيدة الفاضلة الدعوة، وجاءت إلى دبي، وأمضت بيننا بضعة أيام، وأعتقد أننا تعاملنا معها معاملة حضارية وكريمة، تركت أثراً طيباً في نفسها، وكان لهذه الزيارة بالفعل أثر كبير في موافقة دون ريفي النهائية.

واستمرت الاتصالات بيننا، حتى قرر دون ريفي الحضور إلى الإمارات، ولك أن تعلم أن دون ريفي جاء إلى الإمارات متنكراً ومتخفياً، فقد كان مرعوباً من الصحافة الإنجليزية التي تطارده في كل مكان، لدرجة أنه غادر بريطانيا إلى ماليزيا، ومن كوالالمبور وصل إلى دبي، وحتى لحظة وصوله كان يرتدي قبعة خوفاً من أن يشاهده أحد، لأنها كانت هي مرحلة دون ريفي.

تنكر

نعم جاء متخفياً، ولم يأت إلى الإمارات مباشرة، بل جاء عن طريق شرق آسيا، وعندما وصل إلى مطار دبي كان متنكراً كما ذكرت لك، ونحن أيضاً تعاملنا بسرية تامة، ولم يذهب أحد منا لملاقاته في المطار، حتى لا ينكشف الأمر، وكلفنا أحد الأشخاص غير المعروفين في المطار باستقباله، وكان متنكراً هو الآخر.

وكانت لحظة تاريخية عندما التقى دون ريفي بسمو الشيخ سلطان بن زايد من أجل توقيع العقد، وبعد أن تم التوقيع، وكان ذلك مقابلاً مادياً غير مسبوق على الأقل في منطقة الخليج، وظل هذا التعاقد حديث الصحافة الإنجليزية شهوراً طويلة، بل لم تتوقف الصحافة عن الحديث طوال فترة إقامة دون ريفي في الإمارات التي امتدت من عام (77) إلى عام (80).

لقد كان هذا التعاقد بمنزلة ترويج مبكر للدولة، وبسبب تعاقدنا مع دون ريفي أصبح اسم البلد يتردد في كل مكان، وخاصة في أوروبا، والأمر الذي لا شك فيه أننا برغم كل شيء كسبنا كثيراً من وراء هذه الصفقة المدوية في بداية عهدنا الكروي، وأبداً لن أنسى أنني كنت وراء نجاح التعاقد مع دون ريفي، وكان وجود مثل هذا المدرب العالمي بيننا بمنزلة الإعلان عن رغبة حقيقية في التطور والنمو.