كنت صحافياً في السبعينيات!!

أقتبس هذا العنوان الجميل البسيط، من كتاب صدر مؤخراً بعنوان «كنت صبياً في السبعينيات»، للناقد الأدبي والسينمائي محمود عبد الشكور، عن دار الكرمة للطبع والنشر بالقاهرة، ويبتعد الكتاب عن التأريخ الأكاديمي الجاف، ويجعل القارئ يعيش داخل أسرة تكاد تكون نموذجاً لعديد من العائلات المصرية وقتها.

و«العبد لله»، قام بتغيير العنوان بإضافة حرفين، كما تلاحظونه، نتيجة الأجواء التي عشتها في مرحلة السبعينيات، بعد قيام الدولة، والتي كانت فيها الصحافة في مرحلة الانطلاقة، حيث العمل المهني العالي المستوى، والصحافيين القدامى الذين لن ننساهم، جاؤوا إلينا بخبراتهم وتعلمنا منهم، بعضهم أصبح اليوم رؤساء للتحرير في بلدانهم.

وكانوا معنا زملاء محررين صغاراً، نبدأ الخطوة الأولى بالتحرك عبر التاكسيات، فلا زحمة ولا هم ولا ضغوط ولا يحزنون، فالأجواء كانت جميلة وطيبة، لو أسردها لن أنتهي، لأنها كانت حية وشيقة، تذكرنا بهذه السنوات الثرية.

لقد عشت طفولتي الصحافية في التنقل بين الاتحادات والأندية ومرافقة المنتخبات، كيف عشنا التجربة الأولى؟، كيف كانت الصحافة في المجتمع؟، ماذا كان الناس يقرؤون في فترة السبعينيات؟، وماذا كانوا يشاهدون في التلفزيون «الأبيض والأسود»؟

تليفزيون الكويت من دبي وسينما الوطن، التي كانت تقع في شارع بني ياس بميدان جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى المسارح الخشبية، والتي تكونت من العريش في بعض الأندية، حيث مارس أبناء الوطن هذه التجربة وغيرها من الأحداث الجميلة التي أتذكرها مع هذا العنوان الذي شدني.

ومن عادتي أن أحضر العمل مبكراً، وربما أكون أول محرر دخولاً إلى الجريدة، وأفضل ذلك، حيث تتاح لي فرصة قراءة كل ما هو جديد في صحافتنا، ومعايشة الأحداث الرياضية عن كثب، وعند دخولي إلى مقر البيان، وجدت على طاولة الاستقبال، جريدتَي الوحدة والفجر، وأخذتهما معي إلى مكتبي وتصفحتهما.

وتذكرت الأيام الجميلة التي بدأت فيها الانطلاقة نحو العمل الصحافي، فجريدة الوحدة تأسست عام 1973، وبعد التأسيس بخمسة أعوام، كان لي شرف العمل فيها متعاوناً، بمعنى مندوب أقوم بتغطية المناسبات الرياضية في دبي والشارقة.

وتلك الأيام الحلوة التي لا تعود إلى الوراء، حيث وجدت نفسي أبحث في الذاكرة، ومن باب الوفاء، أن أتذكر فضل هذه الصحف القديمة على الكثير من الزملاء الذين بدؤوا منها وانطلقوا، وأصبحوا بعد ذلك رؤساء أقسام في صحفنا الكبيرة، فقد تعلمنا واستفدنا واكتسبنا المهنة عبرها، ومنهم من يتولى حالياً رؤساء تحرير في مصر، منهم الزميل فهمي عنبة رئيس تحرير جريدة الجمهورية.

ومن الواجب علينا اليوم، أن نتذكرها بحلوها ومرها، تلك الأيام السعيدة التي لا تُنسى، فهي المحك الحقيقي للصحافي، الذي يبدأ من السلم دون أن يقفز بـ (البراشوت)، ويصبح فجأة وبدون مقدمات، رئيساً وكاتباً وناقداً، وما أكثر هذه الأيام من مسميات، فالكتابة في السيرة الذاتية، ترتبط بالعديد من القصص لجيل كان مليئاً بالحيوية والنشاط والحب والغيرة المهنية.

فالأحداث التي ترتبط بالحياة الاجتماعية في فترة مهمة من فترات تاريخنا الحديث، وزمان كان الصحافي معدله اليومي بالأخبار يفوق عشرات المرات عن اليوم، برغم قلة وضعف وانعدام الإمكانات التي لا تقارن بجيل اليوم، فكان المحرر نشيطاً، لا يتذمر ولا يتكاسل، همّه الانفراد والتميز.

بينما اليوم، نجد أن الخبر هو الذي يبحث عن المحرر، الذي يجلس في مكتبه أو بيته أو على المقهى ويبعث المادة، لقد أصبح العالم (بكف)، قديماً كنا نقول، حسب ما درسناه في الجامعة، وأن العالم أصبح قرية، بينما اليوم، تغير المسمى، واسألوا أهل «الواتس أب» وشبكات التواصل اليومية!!..

 والله من وراء القصد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات