من لا يحفظ ماضيه لن يحفظه مستقبله. من منطلق هذه القاعدة تولّدت الحاجة إلى تدوين الأحداث وحفظ التواريخ والأسماء، وهذه المواضيع التوثيقية جعلتني على مدى السنوات العشر الأخيرة أبدأ مهمة رافعا شعار كي لا يضيع تاريخنا الرياضي.
فأصداء الذاكرة هي مجموعة أسباب دعتني أن أسجل جزءاً من مرحلة مهمة تمثل مسيرة اعلامية رياضية تستحق الإشارة إليها، لما لها من ارتباط بواقعنا الرياضي والإعلامي والمهني والشخصي، كما نركز فيها على الدور المهم للآباء المؤسسين، ولأولئك الذين واجهوا المشقات والمصاعب في عبور البحار والمحيطات والسفرات.
وراء عرضي لهذه المواد الصحفية والمواضيع التي أراها تتعلق بالتوثيق الذي للأسف نفتقده كثيرا على الرغم من بعض المحاولات راجيا بان تنال رضاكم جميعا، فالمحطات رئيسية في مسيرة وحياة مجتمعنا.
الذي اصبح اليوم من بين المجتمعات التي تؤمن بمدى أهمية التواصل لبناء مسيرة خيرة. فنحن أمام تجربة عمر، وامام مرحلة مهمة وهو السبب الذي دعاني لتبني مثل هذه المواضيع واليوم ذكرياتي مع فيصل بن فهد.

ولد الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، في الرياض عام 1946 وتخرج من جامعة كاليفورنيا عام 1971 م وتولى الرئاسة العامة لرعاية الشباب عام 1974م حتى وفاته في 10 جمادي الأولى 1420 هـ / 21 أغسطس 1999 م في الرياض بعد عودته من الأردن بيوم واحد إثر نوبة قلبية بعد أن شارك في الدورة العربية في عمان وتولى، رحمه الله، العديد من المناصب الرياضية .
وهو شخصية كبيرة على الصعيد العربي والدولي أبرزها رئيس اللجنة الأولمبية العربية السعودية عام 1975 م، رئيس الاتحاد العربي للألعاب الرياضية عام 1976 م، رئيس الاتحاد العربي لكرة القدم 1976 م، رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم 1976 م، رئيس الاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي 1981، وحصل على العديد من الأوسمة والجوائز من رؤساء الدول العربية والمنظمات الدولية لدوره الملموس تجاه القضايا الرياضية الشبابية والإنسانية.
منتهى التواضع
التقيته في العديد من المناسبات أبرزها دورات كأس الخليج وبطولات الأمم الآسيوية وبطولة القارات والبطولات العربية، وكان يتذكرنا في كل مرة نلتقيه فيها فلا ينسى أحدا، منتهى التواضع فهو مدرسة حقيقية عندما تجلس وتستمع إلى آرائه وفكره العالي.
إنني محظوظ بأن التقيته في أكثر من مناسبة، وهنا نتذكر الحوار الانفرادي الخاص مع صحافة الإمارات الذي قام بإجرائه الزميلان حمدي نصر رئيس القسم الرياضي بجريدة الاتحاد عام 82 والصحافي يسري عبد اللطيف، فكان الحوار الصحافي الأول من نوعه في الطائرة الملكية للأمير الراحل فيصل بن فهد على أرض المطار الأميري بأبوظبي.
وكان الأمير الراحل في جولة تفقدية لاستاد مدينة زايد الرياضية قبل انطلاقة منافسات كأس الخليج السادسة التي نظمناها لأول مرة عام 82، واستمرت صداها عدة سنوات ولعب أحمد بو حسين الأمين العام للمجلس الأعلى للشباب والرياضة السابق دورا في ترتيب إجراء الحوار، وبرغم مرور هذه المدة الطويلة إلا أنني أتذكر هذا الحوار المهم، ومن شخصية مهمة تظل في قلوبنا دائما برغم رحيله عنا.
وشهدت الدورة التاسعة عام 88 بالرياض العديد من الأحداث خاصة المتعلقة بالتصريحات الساخنة للشهيد فهد الأحمد، ولكن أتذكر واقعة شهيرة حصلت معنا يوم حفل الافتتاح باستاد الملك فهد الدولي فقد ركبنا باص الإعلاميين .

وعند وصولنا البوابة المخصصة لنا لم نتمكن من الدخول بسبب الجمهور الذي وصل إلى الملعب قبل الافتتاح بعدة ساعات ليشاهد فنان العرب محمد عبده، الذي أنشد أغنيته الشهيرة (فوق هام السحب)، وحاولنا الدخول إلا أن محاولاتنا مع المنظمين باءت بالفشل، فتعرضنا ليوم صعب.
حيث أرادت الجماهير أن تدخل من نفس البوابة فما كان إلا أننا تلقينا علقات ساخنة بالعصي، وكانت بالطبع غير مقصودة، فقمنا وذهبنا كمجموعة كبيرة من الإعلاميين من بينهم المرحوم الكابتن المعلق المصري محمد لطيف إلى البوابة الرئيسية محتجين.
وهناك كان الأمير الراحل فيصل بن فهد، طيب الله ثراه، عندما شاهدنا، ونحن في حالة من الغضب أمر، رحمة الله، فورا بدخول جميع الإعلاميين من البوابة الرئيسية للمقصورة الملكية، طوال أيام الدورة، فقد كان رحيما بالجميع ويقدر الإعلاميين، بل أنه أمر بتقديم 50 ألف دولار للاتحاد العربي للصحافة الرياضية تثمينا لدور الصحافة.
هذا السرد التاريخي للواقعة الشهيرة معنا إبان الدورة التاسعة لكأس الخليج العربي لكرة القدم في الرياض، حيث كنا نهم بدخول ملعب استاد الملك فهد الدولي لحضور حفل الافتتاح لكن الازدحام الشديد عند المدخل المخصص وتدافع الجماهير لم يمكننا من الدخول رغم محاولتنا والتي تعرضنا خلالها للضرب من قبل مسؤولي النظام في الملعب.
ووقتها رآنا الأمير الراحل فيصل بن فهد فطلب من المسؤولين السماح لنا بالدخول وأيضا السماح لكل رجال الإعلام بالدخول من البوابة المخصصة للأمراء وكبار الضيوف، وقد كانت لفتة من رجل انسان بمعنى الكلمة لا تنسي أبدا وبتوجيهات من الأمير نفسه أصبح دخولنا وخروجنا مريحا دون عقبات والبركة في الأمير الغائب الحاضر بأعماله الطيبة التي يسجلها التاريخ بحروف من ذهب.
في عام 92 تلقيت دعوة من الأمير الراحل لحضور بطولة القارات، وكنا قد تقدمنا بطلب تنظيم كاس اسيا وفي نفس الفترة كانت دول تنوي التقدم بطلب تنظيم بطولة الأمم الآسيوية منها السعودية والصين ولبنان.
وقد استثمرت الفرصة وسألت الامير بعد افتتاح بطولة القارات، وكان على عادته يقف بانتظار الإعلاميين بالترتيب مع الزميل منصور الخضيري، وتشاء الصدف بأن أعطى المجال أولا كضيف بأن ابدأ بالسؤال (كيف ترى طال عمرك طلب ترشيح الإمارات لاستضافة كاس اسيا 96).

فكانت الإجابة سريعة وبدون تردد: اننا مع الإمارات اخوة اعزاء، فطلبهم هذا سيجد الدعم الكبير منا وسنكون أول المؤيدين، حيث كانت البشرى الطيبة للكرة الاماراتية التي نظمت الحدث القاري الكبير، وتشاء الصدف بان يجمعنا نهائي كأس اسيا عام 96 مع «خضر الفنايل» حيث انتهت لصالح الاشقاء بفوز مثير للسعودية.
رسالة غالية
ولا أنسى الرسالة التي وصلتني عبر البريد المستعجل، عبارة عن رسالة شخصية تلقيتها من الامير يشكرني فيها بعد قراءته لمقالي (معكم دائما) والذي تناول نهائي كاس خادم الحرمين الشريفين، حيث كان يتابع كل صغيرة وكبيرة كل ما يكتب وينشر عن الرياضة السعودية، انه الرجل المناسب في المكان المناسب، اعطى لرياضة بلده هيبة كبيرة.
فالرسالة التي وصلتني تختلف عن رسائل الشكر التي عادة يتلقاها الزملاء الاعلاميون، برسالة رسمية بإمضائه شخصيا وكتب في نهايتها (أخوكم فيصل بن فهد بن عبد العزيز ال سعود) تواضع ما بعده تواضع، طيب الله ثراك، يا بونواف.
فكرة وحدث عملاق
وبالطبع لا ننسى فكرة إقامة بطولة القارات التي اصبحت معتمدة من الفيفا وتبناها الامير الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز واجتهد كثيرا لإخراجها الى النور وهي من الاحداث التي لا تنسى وبعد التنسيق مع الاتحاد الاسيوي للعبة وتحت رقابة الاتحاد الدولي (فيفا) بدأ تنفيذ الفكرة تحت اسم «بطولة كأس الملك فهد» واكتفى الاتحاد الدولي بالمراقبة والمتابعة لان الاتحاد الدولي لا يمكن ان يساند فكرة جديدة دون ان يتأكد من جدواها.
وتأكد (فيفا) من ان الفكرة جيدة وتحظى باهتمام جماهيري واعلامي كبير وموافقة الاتحادات القارية عليها بدليل مشاركة منتخبات من قارات مختلفة فبدأ في مساندتها بداية من الدورة الثانية التي اقيمت في عام 1995.
واستضافت السعودية البطولات الثلاث الاولى من كأس العالم للقارات اعوام 1992 و1995 و1997 وتضاعف النجاح عاما بعد عام حتى تحولت البطولة من فكرة عربية الى بطولة عالمية. واطلق الامير في بداية التسعينات فكرة اقامة بطولة تجمع بين افضل منتخبات القارات الخمس بالتنسيق مع الاتحاد الاسيوي وبموافقة من الاتحاد الدولي (فيفا).
وسرعان ما ابصرت الفكرة النور وتحولت الى بطولة حملت اكثر من تسمية فكانت الاولى (بطولة القارات)، والثانية ( بطولة الاتحادات القارية على كأس الملك فهد) الى ان استقرت على التسمية الاخيرة وهي (بطولة الفيفا للقارات).
وبعد النجاح الذي اصابته البطولتان الاولى والثانية اللتان اقيمتا في السعودية صاحبة الفكرة، كان لابد للاتحاد الدولي من أن يتبنى هذه المسابقة لتكتسب صفة العالمية، وتصبح بالتالي ثاني اهم مسابقة بعد كأس العالم، واشرف الفيفا على النسخة الثالثة وارتأى رئيسه السابق البرازيلي جواو هافيلانج ان تقام في السعودية أيضا مكافأة لها على جهودها في تنظيم البطولة وفكرة اقامتها.
الجدير بالذكر ان كأس البطولة هي بمثابة هدية شخصية من العاهل السعودي وصنعت على نفقته الخاصة مساهمة منه في دعم البطولة.
وكان لا بد ان تخرج المسابقة من السعودية لأول مرة بعد اعتمادها من قبل الفيفا، فاستضافت المكسيك البطولة الرابعة، وبدأت المشاركة بأربعة منتخبات في الدورة الاولى، ثم اتسعت الى 6 في الثانية، واستقر العدد على 8 في الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة وتطورت إلى حدث عالمي، والفضل يعود للأمير الراحل فيصل بن فهد، رحمه الله.