من لا يحفظ ماضيه لن يحفظه مستقبله. من منطلق هذه القاعدة تولّدت الحاجة إلى تدوين الأحداث وحفظ التواريخ والأسماء، وهذه المواضيع التوثيقية جعلتني على مدى السنوات العشر الأخيرة أبدأ مهمة رافعا شعار كي لا يضيع تاريخنا الرياضي.
فأصداء الذاكرة هي مجموعة أسباب دعتني أن أسجل جزءاً من مرحلة مهمة تمثل مسيرة اعلامية رياضية تستحق الإشارة إليها، لما لها من ارتباط بواقعنا الرياضي والإعلامي والمهني والشخصي، كما نركز فيها على الدور المهم للآباء المؤسسين، ولأولئك الذين واجهوا المشقات والمصاعب في عبور البحار والمحيطات والسفرات.
وراء عرضي لهذه المواد الصحفية والمواضيع التي أراها تتعلق بالتوثيق الذي للأسف نفتقده كثيرا على الرغم من بعض المحاولات راجيا بان تنال رضاكم جميعا، فالمحطات رئيسية في مسيرة وحياة مجتمعنا. الذي اصبح اليوم من بين المجتمعات التي تؤمن بمدى أهمية التواصل لبناء مسيرة خيرة. فنحن أمام تجربة عمر، وامام مرحلة مهمة وهو السبب الذي دعاني لتبني مثل هذه المواضيع فتابعوني، وحياكم الله.

نتوقف من جديد.. فمن الصعوبة أن ننسى رجلا في قامة الشيخ مانع بن خليفة آل مكتوم إحدى الشخصيات الرياضية الكبيرة والمؤثرة والتي تمثل قوة في الساحة الكروية بالتحديد، فقد كان رجلا رياضيا مختلفا من نوع آخر، لعب دورا مهما في تطور البنية التحتية للرياضة.
فهو رجل سبق عصره بكل إسهاماته التي لا ينكرها أحد في المنطقة، فكان رياضيا قلما يتكرر في زمننا هذا، وكان يؤمن بأهمية دور الإعلام والتسويق والخصخصة والاستثمار الرياضي، ونسترجع الذكريات الجميلة التي رافقت مسيرة الكرة الإماراتية ..
فهو حديث الساحة زمان، فقد فكان يركز دائما على مصلحة اللعبة الشعبية العريقة لأنها ستسهم في دفع مسيرة الكرة للمزيد من التطور لرفع مستوى «كرة القدم».
وكان لا يقل تأثيرا عن جيل المرحوم الأمير فيصل بن فهد والمرحوم الشيخ فهد الأحمد طيب الله ثراهما، والشيخ عيسى بن راشد طول الله عمره، الذين نفخر بهم في منطقة الخليج والعالم العربي لدورهم في ازدهار النهضة الرياضية عامة والكروية خاصة. ورغم أنه لم يشغل أي منصب إقليمي أو عربي، إلا أن آراءه كان لها صدى في المحيط الخارجي.
لقاءات النصر مع الأهلي أصبحت تاريخا بحد ذاتها، ما يجعلنا نتذكرها مع رجل رياضي مخضرم تشهد له المنطقة العربية وليس الخليجية فقط .. فله من المواقف التاريخية التي لا تنسى على الصعيدين العربي والمحلي، فهو رجل سبق عهده، وفكر قبل أكثر من ربع قرن واليوم ننفذ أفكاره وتصوراته.
فنادي النصر هو أول ناد محلي وخليجي وعربي له استثمارات تدعم موازنته الحكومية، حيث شيد النصر ليجرلاند المشروع الترفيهي الأول في المنطقة وقاعة التزحلق على الجليد، ثم بعد ذلك مشروع فندق النادي الذي خصص لمعسكرات فرق النادي والفرق التي تحل ضيفا على النادي، واستثمر بعد ذلك تجاريا، إضافة إلى بناء مبان تجارية يُستثمر ريعها لتمويل موازنة النادي..
فهو رياضي من الطراز النادر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالذكريات مع شخصية رياضية بوزنه بمثابة لقاء القمة، فهو مازال يتابع ويحفظ أسماء اللاعبين سواء من الناشئين أو الكبار، فقد لفت انتباهه نجوم منتخب الشاب الأولمبي، وبالأخص عامر لاعب بني ياس. نجم منتخب الأولمبي والشباب.

❊ فهو شخصية رياضية مرموقة، فرصة لمقارنة جيل اليوم مع الجيل السابق للخبرة الواسعة والطويلة التي يتمتع بها، فقد تولى رئاسة اتحاد الكرة في تشكيله الثالث خلال الفترة من 1974 وحتى 1976 ويعتبر الرئيس الثالث في مسيرة الكرة الإماراتية، ويعد واحدا من أبرز الشخصيات الرياضة على مستوى المنطقة منذ انخراطه الإداري في الرياضة الإماراتية.
بل كان معروفا محليا وخارجيا لحبه وشغفه باللعبة، وأسهم بدرجة كبيرة في الارتقاء باللعبة عبر استقدامه للفرق الأجنبية التي زارتنا في مرحلة البدايات، ولعب دورا كبيرا في تحول الملاعب الرملية إلى استادات ومنشآت رياضية حديثة لقناعته التامة بأهمية هذا التحول، والذي نعتبره تحولا جذريا في مفهوم الرياضة، وخاصة كرة القدم، وهي فترة التأسيس.
ومن أبرزها سانتوس البرازيلي عام 73 بقيادة الجوهرة السوداء بيليه، وغيره من الفرق الأوربية، فكان صاحب أفكار جريئة ومبادرات لا يفكر فيها سواه، فقد شغل بال الساحة الكروية في كل قضية كروية يطرحها باستقدام اللاعبين الأجانب والاحتراف الرياضي، وكان يجلس مع الصحافيين بشكل دوري ويناقش القضايا بصفة يومية، فكان رئيسا رياضيا محترفا بالمفهوم الاحترافي في زمن الاحتراف الذي نعيشه اليوم.
وشهدت لعبة كرة القدم انطلاقتها الحقيقية واستقلاليتها الذاتية برئاسة الشيخ مانع بن خليفة، حيث عمل جاهداً للارتقاء بمستوى اللعبة خليجيا وعربيا والوصول بها إلى المستوى الآسيوي والعالمي، حيث قام بعدد من الإجراءات التي أدت إلى إبراز كيان الاتحاد واللعبة نظرا لخبرته الوفيرة في مجال إدارة المؤسسات الرياضية، وتولى التخطيط للحركة الرياضية لإيمانه الراسخ بضرورة الارتقاء باللعبة ..
وهو بذلك أول من أولى هذا الجانب اهتمامه ورعايته، وفي عهده أقيم الدوري العام على مستوى الدولة بعد أن كان قاصرا على مستوى المناطق، وكذلك أقيمت أول مسابقة لكأس صاحب السمو رئيس الدولة.

أما على المستوى الثقافي والإعلامي، فقد وجه بتطوير مجلة النصر الشهرية الشاملة لتصبح جريدة رياضية أسبوعية متخصصة، استقطب لها صحافيين من الخارج، وكانت توزع على مستوى الوطن العربي، وكان لها متابعون ومراسلون، وكانت تتبنى آراء تطويرية في مجال الرياضة، وهي بذلك كانت أول جريدة رياضية متخصصة في المنطقة، وترأس تحريرها الزميل عبدالله إبراهيم وكمال طه مديرا للتحرير وسيد علي سكرتيرا.
فعلى الصعيد الشخصي، لا أنسى الهجوم الذي تعرضت له من قبل كتاب الرأي في جريدة النصر الأسبوعية المنتشرة بين الجماهير آنذاك بصورة كبيرة حيث كانت توزع أكثر من 5 آلاف نسخة أسبوعيا بعد مباراة شهيرة علقت عليها بين النصر والأهلي في دور قبل نهائي كأس صاحب السمو رئيس الدولة.
حيث كان الأزرق متقدما بهدفين، وقبل نهاية الوقت الأصلي نحج الأحمر في تسجيل التعادل، ويومها كنت أعلق على المباراة على الهواء مباشرة إذاعة وتلفزيوناً، ليس على المستوى المحلي.
بل كانت بعض قنوات الخليج تنقلها نظرا لأهمية لقاءات النصر والأهلي، وأتذكر أنه قبل بدء المباراة جاءني الزميلان العزيزان عبداللطيف القرقاوي مخرج تلفزيون دبي وصالح سلطان مخرج تلفزيون أبوظبي، وطلبا مني بأن أنقذ الموقف للتعليق عليها بعد أن حالت ظروف خاصة منعت الزميل المكلف للتعليق عليها عام 79.

وبالفعل قمت بالمهمة الصعبة، ولحظة تسجيل الأهلي فريقي المفضل الهدف الأول طرت من الفرحة، وعندما سجل حسن روشان هدف التعادل قلت: كرة أهلاوية متفاهمين عليها في الأرجنتين وطبقوها على ملعب نادي الشباب، حيث كانت كرة مرفوعة من المدافع نظري على رأس المهاجم القناص السريع روشان.
وظلت هذه اللقطة طويلا في الساحة الكروية بين حسن نظري وروشان اللذين حصلا على لقب افضل جناح ومدافع في قارة آسيا بعد أن قادا منتخب بلدهما الإيراني لنهائيات مونديال الأرجنتين عام 78 بقيادة المدرب مهاجراني.
وتألقت في اللقطة بشكل عاطفي انفعالي أغضب النصراوية، وكتبوا في اليوم التالي: (الكرة النصراوية تفوز على الكرة الإيرانية والأهلاوية والأرجنتينية والمعلق المنحاز ). وفاز الأزرق بضربات الجزاء 6/4 يومها الأهلي كان هو بطل الدوري حمل الدرع للأبد.
ونكمل دور مانع الرياضي على نطاق علاقاته مع الأندية العربية، فقد كان له علاقة وطيدة بالنادي الأهلي القاهري أيام صالح سليم والرؤساء الذين تعاقبوا عليه بعد ذلك، واستضاف عددا من الأندية والمنتخبات المصرية التي كانت تزور الإمارات، وإلى يومنا هذا إذا ما طلب منه ذلك.