من لا يحفظ ماضيه لن يحفظه مستقبله. من منطلق هذه القاعدة تولّدت الحاجة إلى تدوين الأحداث وحفظ التواريخ والأسماء، وهذه المواضيع التوثيقية جعلتني على مدى السنوات العشر الأخيرة أبدأ مهمة رافعا شعار كي لا يضيع تاريخنا الرياضي.

فأصداء الذاكرة هي مجموعة أسباب دعتني أن أسجل جزءاً من مرحلة مهمة تمثل مسيرة اعلامية رياضية تستحق الإشارة إليها، لما لها من ارتباط بواقعنا الرياضي والإعلامي والمهني والشخصي، كما نركز فيها على الدور المهم للآباء المؤسسين، ولأولئك الذين واجهوا المشقات والمصاعب في عبور البحار والمحيطات والسفرات.

وراء عرضي لهذه المواد الصحفية والمواضيع التي أراها تتعلق بالتوثيق الذي للأسف نفتقده كثيرا على الرغم من بعض المحاولات راجيا بان تنال رضاكم جميعا، فالمحطات رئيسية في مسيرة وحياة مجتمعنا. الذي اصبح اليوم من بين المجتمعات التي تؤمن بمدى أهمية التواصل لبناء مسيرة خيرة. فنحن أمام تجربة عمر، وامام مرحلة مهمة وهو السبب الذي دعاني لتبني مثل هذه المواضيع فتابعوني، وحياكم الله.

 

 

نواصل في الحلقة الثانية مع علي عبد الله الدباني حول حقبة من عمره ومشواره، تتعلق بعمله في اتحاد كرة القدم، وأيضاً اللجنة الأولمبية الوطنية.

بدأ حديثه قائلاً: أملك الكثير من الدوافع لخدمة الوطن الذي أعطاني الكثير، وأنا أدين له ما حييت، وهذا يجب أن يكون ديدن الجميع، أن يقدموا جزءاً من رد الجميل، وما زلت حقيقة قادراً على تقديم الكثير والتضحية بالغالي والنفيس لهذا البلد في أي مكان وأي وقت.

كيف أفادتك تجربتك الطويلة مع نادي عمان للتحول إلى كيانات أخرى، منها اتحاد كرة القدم، واللجنة الأولمبية، إضافة إلى مناصب عربية كبيرة؟

بلا شك أنني اكتسبت الكثير، وهذه العلاقة مهدت لمتغيرات كبيرة في حياتي، وكلما ترشحت لأحد المناصب كنت أفوز بالانتخابات، ولا أنسى عندما دخلت تجربة الشطرنج العربية أن هذا النجاح جاء من حب الناس، ولا يمكن للشخص أن يتجاهل كل هذا الاحترام والثقة المتبادلة، فكانت مجموعة تطلبني وتطلب مني الترشح، وكلما أترشح أفوز والحمد لله، حتى أصبحت هذه ظاهرة في دمي «الانتخابات».

ولا أنسى أنني كنت أقضي الكثير من الأوقات برفقة الإخوة في الإدارات ومجالس الرياضيين، وقد احتج أفراد الأسرة كثيراً، لأنني أقضي الكثير من الساعات بعيداً عنهم، حتى باب مكتبي لا يقفل، وهكذا أحبني الجميع والناس في رأس الخيمة.

وما قصة ترشحك لمجلس إدارة اتحاد الكرة بعد الحقبة الإدارية مع فريق عمان؟

شجعني الإخوة في مجلس إدارة نادي عمان لتقديم الترشيح لمجلس إدارة اتحاد كرة القدم، وأتذكر تلك الفترة جيداً في الثاني من شهر نوفمبر عام 1980، حيث ترأس مجلس الإدارة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، وبالفعل نجحت في الانتخابات.

وضم مجلس الإدارة وقتها العديد من الشخصيات الكبيرة، منها عبد الله بوشهاب نائب الرئيس، وناصر ضاعن أمين السر العام، وعبد الله لوتاه، وصقر غباش، وخليفة مطر، وسعيد بن ناصر، والمرحوم عبد الله عيلان، ومحمد بن سلوم، إضافة إلى شخصي الضعيف.

أعتقد أن انضمامك إلى مجلس إدارة اللجنة الأولمبية الوطنية كان في الفترة نفسها؟

نعم، لقد كان اتحاد الإمارات لكرة القدم هو بوابتي للدخول إلى مجلس إدارة اللجنة الأولمبية الوطنية، وقد طلب مني الإخوة في مجلس إدارة اتحاد كرة القدم وقتها الترشح وتمثيل أسرة اتحاد كرة القدم، وبالفعل تم اختياري لشغل المهمة في اللجنة الأولمبية، والتي أكملت فيها دورة أولمبية كاملة استمرت 4 سنوات.

الشطرنج والبداية

وماذا عن قصتك مع الشطرنج، وكيف بدأت؟

كنت في هذه الفترة رئيساً لنادي بن ظاهر الثقافي، ولدورتين، واستمرت كل فترة سنتين، حيث أسهمنا في الارتقاء بمفهوم هذه الرياضة الذهنية، ومن هذا النادي تم ترشيحي إلى عضوية اتحاد الإمارات للشطرنج، الذي كان يضم أندية نادي الشارقة ونادي أبو ظبي ونادي العين ونادي بن ظاهر.

وأتذكر أن مجلس إدارة اتحاد الإمارات للشطرنج كان برئاسة الدكتور محمد عبيد غباش، وترشحت لنيل عضوية مجلس الإدارة، والحمد لله حققت النجاح وتم انتخابي من أول دورة نائباً للرئيس، وانطلقت مسيرتي في هذه اللعبة، حيث قام اتحاد الإمارات بترشيح شخصي إلى مجلس إدارة الاتحاد العربي للشطرنج، وبدعم من المسؤولين.

من أبرز المدربين الذين عملوا مع فريق عمان؟

الكثير من الأسماء مرت وعملت ودربت نادي عمان أو القادسية أو الإمارات، من بينهم الكابتن علي الوالي، وكان هنالك أيضاً بعض المدرسين العرب، منهم من المملكة العربية السعودية عبد العزيز السندي، ومنهم عصمت قينون من مصر، ونصرت ناصر من العراق.

وهو موجود في الإمارات، كما تولى تدريب الفريق رضا العايش عام 1971، وهو سعودي الجنسية، كان يعمل في مهنة التدريس، وهو نفس عمل المدرب الذي ذكرته سابقاً عبد العزيز السندي خلال الفترة 1972-1974، وأيضاً علي الوالي، وعصمت قينون، حتى الفترة التي شهدت صعود نجم المدرب الوطني على أبو دنوس.

ما حكايتك مع المدرب على أبو دنوس؟

أولاً، علي أبو دنوس من المدربين المواطنين الذين وضعوا بصمة واضحة في التدريب، كاسم وطني، وقد كان هنالك توجه عندنا في مجلس الإدارة لدعم الكوادر الوطنية، خاصة في مجال التدريب، وبالفعل تم إتاحة الفرصة كاملة له، خاصة في ظل التغيير المستمر في الأجهزة الفنية وإرهاق البحث عن المدربين والكفاءات التدريبية.

خبطة معلم

أبرز الصفقات مع اللاعبين الأجانب تمت خلال عهدكم في نادي عمان أو نادي الإمارات مع الثلاثي التنزاني المرعب، آلو علي، والد لاعب منتخبنا النجم الوحداوي الكبير حيدر آلو علي، ويوسف حبيب، وبانجا فاضل، حدثنا عن تلك الخبطة؟

هذه صفقة موفقة، كانت على ما أذكر في موسم 1977ـــ 1978، حيث تحسب في الحقيقة لجهود مجلس الإدارة الذي عمل على استجلاب لاعبين على مستوى عالٍ، ومن منطقة ودولة بعيدة بعض الشيء، هي تنزانيا، من أجل خدمة الفريق ومقارعة المنافسين، وقد شارك معنا في ذلك الموسم اللاعب آلو علي ويوسف حبيب ويانجا فاضل يانجا.

وبالفعل كانوا خبطة معلم، للدرجة التي جعلت المتابعين يطلقون على الفريق الحصان الأسود، حيث احتل الفريق المركز الخامس في الترتيب العام خلف النصر (البطل)، والشارقة (الوصيف)، والعين (الثالث)، والأهلي (الرابع)، وقد شارك في ذلك الموسم 11 فريقاً، إضافة للفرق الخمس الأوائل شارك الوصل والإمارات (الوحدة) ورأس الخيمة والرمس والشباب والشعب.

وأذكر أن نجاح هذا الثالوث (التنزاني) في أول موسم دفع باقي الأندية لحذو طريق فريق (عمان) في البحث عن المواهب في البلدان الإفريقية غير العربية، فأحضر الشارقة مثلاً في الموسم التالي 1978-1979 اللاعبين إسحاق عبد الرمضان موندا، ومارتن كيكوا، وتعاقد الشعب مع مانجا مالا، وعجمان مع عماري رمضاني، والشباب مع حمد راشد، وكلهم من تنزانيا.

بينما أحضر الوصل اللاعب الغاني المعروف محمد أحمد (بولو)، وشقيقه يعقوب، وتعاقد الإمارات (الوحدة حالياً) مع ثلاثة لاعبين من كينيا، لكن نحن ذهبنا في هذا الموسم بعيداً، وكنا أول فريق يستعين بلاعبين برازيليين، فلهو وسيماتنو وموتو.

وللحقيقة والتاريخ، فقد قدم نادي عمان لاعبين وطنيين متميزين، نعم لم يوفقوا في إحراز الألقاب، لكنهم قدموا مستويات طيبة، وقد حاول الفريق المنافسة منذ تأسيس أول مسابقة، عندما أقيمت ثلاث مجموعات في المنطقة، وتصدرنا مجموعتنا في رأس الخيمة مع أندية المنطقة الشرقية، وفي المرحلة الحاسمة كان الأهلي والعروبة من الشارقة قد تأهلا، وفاز الأخير بالمركز الأول عام 73.

هل هناك فارق في العمل عند التحول من رياضة بدنية (كرة القدم) إلى أخرى ذهنية (الشطرنج)؟

كرة القدم كانت الرياضة المحببة لنا كجيل منذ نعومة أظفارنا في المراحل الأولى في الكويت، ومع الرفاق في رأس الخيمة وعندما كبرنا كنا نخدم للمصلحة العامة، واجتهدنا في تأسيس الأندية وقتها.

حيث مضت المسيرة، وكما ذكرت سابقاً أن (حب الناس) نعمة للجميع، لذلك لم أتردد لحظة في قبول أي أمر يطلبونه مني، وبالفعل ترشحت للعمل في لعبة الشطرنج، ووصلت فيها إلى أرفع المناصب، حتي تم انتخابي رئيساً لمجلس إدارة الاتحاد العربي للشطرنج، وأشير هنا إلى أنني عملت رئيساً لهذا الاتحاد سبع سنوات متواصلة، علماً بأن مسيرة الاتحاد العربي انطلقت عام 1975.

بعد كل هذا العطاء الطويل في العمل الرياضي، سواء رئيساً في نادي الإمارات أو اتحاد الشطرنج، لماذا ابتعدت عن الرياضة؟

ذكرت من خلال الإجابة عن الأسئلة الماضية أنني أؤمن كثيراً بالعمل الديمقراطي، ولا أحب أن يكون هناك شيء غير ذلك، لقد تعلمت في تلك المدرسة، وأنا مخلص لها بدرجة كبيرة، ولا أقبل إطلاقاً بسياسة التعيين.

جائزة الشارقة للعمل التطوعي تتويج لعطاء السنين

اشتهر على عبد الله الدباني بالعمل التطوعي، وقد نال العديد من الأوسمة والشهادات، لكن جائزة الشارقة للعمل التطوعي، والتي تسلمها من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو مجلس الأعلى حاكم الشارقة، كان لها وقع خاص.

يقول الدباني إن هذه الجائزة لها وقع كبير على نفسه، وتعني الكثير، فجائزة الشارقة للعمل التطوعي جاءت تتويجاً لكل سنوات العطاء، خاصة أنني عملت في الكثير من القطاعات، وشغلت منصب عضو في جمعية متطوعي الإمارات عضواً مؤسساً، وكذلك عضواً في مجلس الإدارة.

وعندما أطلق مشروع جائزة الشارقة للعمل التطوعي تقدمت في أول دورة، وفزت من بين 15 شخصية تقدمت لنيل هذا الشرف الكبير، خاصة أن وراء الفكرة رجل في قامة صاحب السمو حاكم الشارقة (أطال الله عمره).

خريج أكاديمية الحياة

يعترف علي عبد الله الدباني أنه خبر دروب الحياة من خلال حياته اليومية، حيث لم يدرس المراحل التعليمية بسبب الاغتراب في فترة الطفولة، ومرافقة والده في الكويت.

ويعتز الدباني كثيراً بما اكتسبه من تجاربه المختلفة في الحياة، والتي علمته الكثير، أكثر مما ينهله طالب العالم في الجامعات والمدارس.

ويدين الدباني بالكثير إلى (أستاذه) سلطان بن حميد المطر السويدي، ويقول: أعتبره مثلي الأعلى، لأنه هو الذي رباني وأدبني وعلمني الحساب واللغة العربية والقرآن، ولا ينسى الدباني دوماً أن يقبّل كل مرة يقابله فيها يديه لأفضاله المستمرة.

(درهم واحد) يمهد لحياة سعيدة

ترك علي عبد الله الدباني بصمة في الحياة الاجتماعية لإنسان الإمارات وأبناء إمارة رأس الخيمة، ويكفي تأكيداً على هذه الحقيقة، ما قام به على المستوى الإنساني لمحاربة العادات الدخيلة ومغالاة المهور، أنه وافق على زواج ابنته بمهر قدره (درهم واحد)، وهذا درس نعيد ذكره في هذه الأيام المباركة، عسى وعل الأسر وأولياء الأمور ينظرون إلى الأمر بعين الواقع، ولا يبالغون كما نرى هذه الأيام في مسألة تسهيل أمور الزواج.

وقال الدباني: لم تكن بنت واحدة، بل هن خمس بنات رزقني الله بهن، والحمد لله، كلهن تزوجن بنفس الطريقة، ولم أمانع في ذلك ما دام أزواجهن يقدرون ويقدسون الحياة الزوجية، وطلبت منهن أن يعيشن في بيوت آباء أزواجهن حتي يفتح الله عليهن بالبيت، وهن والحمد الله في أحسن حال.