من لا يحفظ ماضيه لن يحفظه مستقبله. من منطلق هذه القاعدة تولّدت الحاجة إلى تدوين الأحداث وحفظ التواريخ والأسماء، وهذه المواضيع التوثيقية جعلتني على مدى السنوات العشر الأخيرة أبدأ مهمة رافعا شعار كي لا يضيع تاريخنا الرياضي.
فأصداء الذاكرة هي مجموعة أسباب دعتني أن أسجل جزءاً من مرحلة مهمة تمثل مسيرة اعلامية رياضية تستحق الإشارة إليها، لما لها من ارتباط بواقعنا الرياضي والإعلامي والمهني والشخصي، كما نركز فيها على الدور المهم للآباء المؤسسين، ولأولئك الذين واجهوا المشقات والمصاعب في عبور البحار والمحيطات والسفرات.
وراء عرضي لهذه المواد الصحفية والمواضيع التي أراها تتعلق بالتوثيق الذي للأسف نفتقده كثيرا على الرغم من بعض المحاولات راجيا بان تنال رضاكم جميعا، فالمحطات رئيسية في مسيرة وحياة مجتمعنا. الذي اصبح اليوم من بين المجتمعات التي تؤمن بمدى أهمية التواصل لبناء مسيرة خيرة. فنحن أمام تجربة عمر، وامام مرحلة مهمة وهو السبب الذي دعاني لتبني مثل هذه المواضيع فتابعوني، وحياكم الله.
في البطولة الخامسة في بغداد عام 79، والتي لعبت السياسة بظلالها فيها بعد اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة، تابعتها عبر أصوات معلقينا وعلى رأسهم علي حميد ومحمد صفر وسيطرت الشعارات السياسية والبعثية نفسها على احداث دورة الخليج ببغداد عام 79.

وكانت بطلاً للدورة التي شهدت تحولات سياسية كبيرة بعد ابرام اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل بإشراف أميركي، حيث قاطعت الدول العربية مصرو وعقد وزراء الخارجية اجتماعا لهم في بغدادو مما اثر كثيرا على مجريات خليجي 5 ببغدادو ولا ينسى رياضيونا في احد الأيام صباحا زيارة مفاجئة للرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
والتقى برؤساء الوفود بمقر اقامته في فندق القناة وقام بالتحدث عن الاتفاقية التي وقعتها مصر، وكانت لحظة هامة للمشاركين في كأس الخليج، وفي هذه الدورة لا ننسى تلك اللحظة التاريخية، حيث قام الوفد برئاسة عبدالله بوشهاب باستلام علم الإمارات لدورة الخليج السادسة عام 82، والدورة السادسة التي استضفناها لأول مرة عام 82 بدأت خلالها نجومية لاعبينا تظهر، وعلى رأس هؤلاء فهد خميس.
والذي كان لي معه حكاية، حيث أجريت معه أول حوار صحافي عام 80 بصحيفة الوحدة آنذاك، وقد توقعت له شأنا كبيرا مع المجنونة كرة القدم، ليصبح بعد ذلك هدافا محليا وعربيا وخليجيا، ودخل اليوم الفهد قنوات التلفزيون محللا لمباريات كأس الخليج، وكانت الدورة السادسة بداية سلسلة من النجوم الذين أنجبتهم ملاعب الإمارات، وحقق منتخبنا معه المركز الثالث بعد فوزه على قطر 1/صفر والسعودية بمثله، وفاز على عمان 3/1 وخسرنا أمام الكويت صفر/2 والعراق صفر/1، والبحرين 2/3، وهي المباراة التي أطاحت بنا.
الدراسة الجامعية
ولم أستمر بدورة الخليج السادسة كثيرا، بسبب ارتباطي في الدراسة الجامعية بمدينة العين والعمل مندوبا لجريدة الاتحاد بالمنطقة نفسها، بسبب الامتحانات، ولكنني كنت أستغل فرصة الإجازات الأسبوعية وأذهب لمتابعة مباريات الدورة التي تعد واحدة من أكثر الدورات إثارة وتجمعا، حيث جمعت الكبار من قيادات الكرة الخليجية.

ولا يمكننا أن ننسى الذكريات الجميلة التي قضاها الكبار في عالم الكرة الخليجية، وبخاصة الشهيد فهد الأحمد الذي وصل أبوظبي قادما من اليمن ويرافقه رئيس اللجنة الأولمبية الدولية خوان سمارانش، وبجانب بوأحمد كان الأمير الراحل فيصل بن فهد طيب الله ثراه، وغيره من القيادات الذين أصبحوا يملكون القرار في توجيه قطاع الشباب والرياضة، بالإضافة إلى العديد من القضايا المصيرية للرياضة الخليجية عامة، والكرة على وجه الخصوص.
مشاهد باقية
في هذه الدورة هناك مشاهد ستظل باقية في الأذهان، فقد كان اتحاد الكرة يبحث عن رئيس له، حيث عرض الأمر على عدة شخصيات كبيرة في المجتمع، وقد اعتذرت لارتباطاتها العملية، وكان لي شرف الانفراد بأول حوار صحافي مع الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات، وأصبحت الدورة واحدة من الدورات التي جمعت شمل الأسرة الرياضية الخليجية، وأتذكر أن العديد من قيادات الرياضة حاليا كانوا صغاراً يرافقون آباءهم.
وأصبحوا الآن من قيادات وقتنا الحاضر، حيث يتولون مناصب سياسية من الوزن الثقيل، واصبحوا يملكون زمام الأمور، ولهذا نعتبر الدورة السادسة غنية بالذكريات والمواقف التاريخية، التي كان لها الفضل في تحول رئيسي في حياة شعوب المنطقة، لأنها شهدت تأهل أول منتخب خليجي إلى نهائيات كأس العالم في إسبانيا، حيث صعدت الكويت في نفس العام، وكلنا يتذكر واقعة الانسحاب العراقي الأول، بحجة انها من أجل الكويت.
زايد الخير والعطاء
ومن بين المشاهد التاريخية كان حضور المغفور له بإذن الله، الفقيد الغالي، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حفل افتتاح الدورة السادسة والمباراة النهائية وتقديم الكأس للاعب الكويت عبد العزيز العنبري، الذي أكد " ان استلامي كأس الخليج من زايد الخير تسوى الدنيا".
ومن الصعب أن ننسى هذا المشهد، الذي سيظل خالدا في الأذهان بوجود زايد الإنسان والزعيم والقائد وباني نهضتنا، أسكنه الله فسيح جناته، حيث حرص على دعم الرياضة بكل أنواعها، التراثية والتقليدية.

حيث استقبل سموه الوفود الخليجية في دورة الخليج السادسة عام 82 والمنتخب الوطني عدة مرات، سواء قبل الدورة السابعة بمسقط عام 84 او الثامنة في البحرين عام 86، وحتى بعد الإنجاز العالمي عام 89 والتأهل إلى نهائيات كأس العالم عام 90 بإيطاليا بمدينة العين، لحظة العودة المظفرة من سنغافورة، فقد كان حكيما بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. رحمك الله يا زايد الخير.
مرحلة حمدان بن زايد
واستمرت مشاركاتنا في مسقط 84، حيث تولى سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان رئاسة مجلس ادارة اتحاد الكرة، لينتهي فصل غياب الرئيس عن أهم هيئة رياضية بالدولة، بتولي سموه هذا المنصب، ويكون دعامة قوية للعبة والنهوض بها نحو التطور ووصولها إلى العالمية.
فقد لعب سمو الشيخ حمدان دورا كبيرا في وضع المنتخب الوطني كشخصية اعتبارية لها مكانتها على الصعيد القاري طوال المدة التي تولى فيها الرئاسة وعمرها 8 سنوات، وفي هذه الدورة، أي السابعة، احتل منتخبنا المركز الرابع.
وكان بالإمكان أن نحقق مركزا أفضل بسبب البداية القوية، لولا بعض الأخطاء الفردية، كما أن هناك شيء ما حدث أدى إلى ضياع البرونزية من منتخبنا.. وفي هذه الدورة، وفي صباح يوم من الأيام، تلقيت اتصالا هاتفيا من احد الأعزاء باللجنة المنظمة، تطلب من وفد جريدة الاتحاد المغادرة.
والذي تكون مني ومن الزميل يسري عبد اللطيف، والمعصم، والأخير كان يومها رئيسا للقسم الرياضي بالجريدة، بسبب اننا نشرنا خبرا يقول ان الوفد الإماراتي يشتكي من سوء التغذية، فقامت الدنيا ولم تقعد، والحمد لله، انتهت المشكلة على خير، فكان موقفاً صعبا تفهمه الأشقاء في حينها، وانتهى الأمر.

وتدخل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث كان متواجدا مع المنتخب وبنفس المقر وحلها بطريقته، ومن الأمور التي لا تنسى خليجيا هو قرار الاستغناء عن المدرب البرازيلي الشهير ماريو زاغالو مدرب الأخضر السعودي.
وأتذكر انه رحل بباص صغير (ميني) فجرا، وحل بدلا منه المدرب الوطني ابراهيم الزياني، ليواصل التألق ويقود منتخب بلاده الى قمة آسيا عندما فاز بلقب القارة لأول مرة عام 84 في سنغافورة، فقد كانت نقطة التحول في سياسة الاتحاد السعودي، بإعطائه الفرصة للمدرب المواطن، والبداية كانت في مسقط في الدورة السابعة، ويومها اصبح المدرب السعودي مهيئا تماما، مثل (محمد الخراشي وناصر الجوهر) وغيرهما.
في دورة مسقط قدم منتخبنا وجوها جديدة، كالهداف عدنان الطلياني الذي شكل واحدا من اشهر الثنائيات مع فهد خميس، بالإضافة الى المدافعين الشقيقين خليل ومبارك غانم، وجاءت نتائجنا على النحو التالي 2/صفر على الكويت، 1/صفر على قطر، صفر/صفر مع العراق، 1/1 مع البحرين وعمان، صفر/2 امام السعودية، وهي نتائج اكثر من رائعة، حيث تولى مهاجراني التدريب للمرة الثانية على التوالي.
غداً نكمل
فهد الأحمد يهدد بنصب خيمة للأزرق خارج الفندق