من لا يحفظ ماضيه لن يحفظه مستقبله. من منطلق هذه القاعدة تولّدت الحاجة إلى تدوين الأحداث وحفظ التواريخ والأسماء، وهذه المواضيع التوثيقية جعلتني على مدى السنوات العشر الأخيرة أبدأ مهمة رافعا شعار كي لا يضيع تاريخنا الرياضي.

فأصداء الذاكرة هي مجموعة أسباب دعتني أن أسجل جزءاً من مرحلة مهمة تمثل مسيرة اعلامية رياضية تستحق الإشارة إليها، لما لها من ارتباط بواقعنا الرياضي والإعلامي والمهني والشخصي، كما نركز فيها على الدور المهم للآباء المؤسسين، ولأولئك الذين واجهوا المشقات والمصاعب في عبور البحار والمحيطات والسفرات.

وراء عرضي لهذه المواد الصحفية والمواضيع التي أراها تتعلق بالتوثيق الذي للأسف نفتقده كثيرا على الرغم من بعض المحاولات راجيا بان تنال رضاكم جميعا، فالمحطات رئيسية في مسيرة وحياة مجتمعنا. الذي اصبح اليوم من بين المجتمعات التي تؤمن بمدى أهمية التواصل لبناء مسيرة خيرة. فنحن أمام تجربة عمر، وامام مرحلة مهمة وهو السبب الذي دعاني لتبني مثل هذه المواضيع فتابعوني، وحياكم الله.

تمثل دورات الخليج أهمية كبيرة لأبناء دول مجلس التعاون بصفة خاصة لما لها من آثار ثقافية فنية فكرية، وحكايتي مع كأس الخليج العربي لكرة القدم بدأت عام 72 بدورة الرياض مع مطلع تأسيس اتحاد الكرة بالدولة، حيث لم يكن موجوداً قبل تلك الفترة، فقد نظمت بطولاتنا الكروية اتحادات محلية على مستوى المناطق، ولكن مع قيام الدولة تغير الأمر وأصبح العمل أكثر تنظيماً.

وفرضنا نفسنا على الخريطة الدولية فبدأت المشاركة الأولى لمنتخبنا الكروي برغم غيابنا عن الدورة الأولى عام 70 بالمنامة وجددت العلاقة في جميع البطولات التالية وجاءت تلك المشاركة لترسي دعامة من دعائم الدولة الحديثة، حيث أخذت القيادة السياسية تحرص على تواجد ابناء الوطن في التظاهرات الرياضية الإقليمية والقارية والدولية.

مواقف تاريخية

اليوم نحاول بقدر الإمكان أن نتذكر بعض المواقف التاريخية والقصص والروايات والحكايات التي صادفتنا في دورات كأس الخليج التي نعتبرها عرساً رياضياً له وضعه الخاص وللتاريخ أقول تم التعاقد مع المدرب المصري المرحوم محمد صديق شحته أحد نجوم الدراويش المصري «فريق الإسماعيلي» في مرحلة الستينات حيث زارنا عام 69 بعد فوزه باللقب الأفريقي ولعب أمام منتخب دبي والذي أشرف على تدريبه في تلك الفترة عبد الرحمن الحساوي .

وذلك لدعم المجهود الحربي المصري، وكان شحته هو أول مدرب متفرغ استعان به الأهلي الإماراتي في عهد ناصر عبد الله بن حسين لوتاه رئيس مجلس إدارة الأهلي في السبعينات.. وجاءت النتائج في الدورة الثانية حيث هزمنا قطر بهدف سجله سهيل سالم في الدقيقة 21 وهي بداية رائعة.

وبالمناسبة سهيل هو شقيق الدكتور حمدون الأمين العام المساعد للهيئة العامة للشباب والرياضة السابق وقد لعبا الشقيقان دوراً كبيراً في تلك الفترة وأتذكر واقعة شهيرة عندما زارنا الأهلي المصري في عزه في تلك الفترة لعب أمام النصر بملعبة ببر دبي وفاز النصر على أهلي مصر بهدف سجله د. حمدون من تمريرة من شقيقه الكبير سهيل حين استعان بهما نده التقليدي النصر للعب مع الازرق عام 73, وهي من المشاهد التي لا تنسى إطلاقاً فقد عرفنا اللعبة منذ فترة الأربعينات واستمر مشوارنا، بعدها .

حيث خسرنا أمام السعودية صفر/4 والكويت صفر/7 والبحرين صفر/2 وبعد قرار اللجنة المنظمة للبطولة بشطب نتائج البحرين ذاقت الكرة الإماراتية طعم الانتصار عندما صعدنا لمنصة التتويج وحصلنا على المركز الثالث وتابعت الدورة عبر المذياع بأصوات معلقي الكويت القدامى، وكنا نستمتع بأصواتهم الحلوة أمثال الحربان والمرحومان نوري ثويني والخطيب، حيث لم تتوفر أجهزة التلفزة إلا لميسوري الحال.

أكثر ثقة

بعد دورة الرياض بعامين شد منتخب الإمارات الرحال إلى الكويت وهذه المرة ظهر أكثر ثقة بالنفس بعد الظهور الأول، حيث تابعت المباريات تلفزيونياً لأول مرة عبر تلفزيون دبي من الكويت الذي كان يظهر آنذاك عام 74 فقد لعبنا وخسرنا امام الكويت صفر/2 في الدور التمهيدي، ثم حقق منتخبنا كبرى المفاجآت بهزيمة البحرين 4/صفر سجلها بوشنين وسهيل سالم وزيد ربيع.

حيث كانت الجماهير الكويتية تعرف بوشنين تماماً، فقد عرضت عليه الجنسية الكويتية الا انه فضل جنسية بلده، حيث لعب بوصلاح في الدوري الكويتي مع الفحيحيل وكان من أبرز اللاعبين في تلك الفترة التي شهدت مشاركة عدد من اللاعبين العرب أمثال طه بصري .

وسمير محمد علي (العربي) وحسن شحاته (كاظمة) ومدرب منتخب اليمن الذي شارك بخليجي 18 محسن صالح ولعب مع (التضامن)، وقد شهد منتخبنا في عهد مدربه المصري المرحوم شحته تطوراً ملحوظاً في الأداء قبل ان يخسر امام السعودية صفر/2، وتأهل للدور نصف النهائي وخسرنا أمام الكويت صفر/6.

ولولا إضاعته لثلاث ركلات ترجيحية امام قطر لتكرر مشهد الرياض72، وبرز في تلك الدورة عدد من اللاعبين الذين أصبحوا بعد ذلك من الأسماء المعروفة خليجياً.. وفي هذه الدورة ظهر اسم أول معلق إماراتي هو الزميل عبد الرحمن حوكل بجانب الزميلين المرحوم فاروق راشد ومراد رفعت كما علق على مباراة واحدة محمد صفر حيث كان في طريقة للسفر الى اليابان عن طريق الكويت..

وفي هذه الدورة بالتحديد شهدت تعلقي بالصحافة الكويتية الأكثر انتشاراً وتوزيعاً وبدأت أتعرف على اسماء كبيرة في مجال الصحافة الرياضية من الزملاء العرب الذين جاؤوا وعاشوا وساهموا في تطور العمل الصحافي ونظراً لكثرتهم يصعب عليّ أن أذكرهم، ولكن للأمانة نقول إنهم لعبوا دوراً في تفوق الصحافة الكويتية الرياضية. وفي هذه الدورة شهدت الكويت حراكاً ثقافياً فنياً لامثيل له في المنطقة فقد أقامت اللجنة المنظمة العليا حفلاً فنياً ساهراً على شرف الوفود غنى فيه كبار مطربي الخليج.

حيث ابتكرت الكويت الفكرة في كل دورة يأتي مطرب يمثل بلده في الحفل وكان ممثلنا الفنان المرحوم جابر جاسم الذي تألق وغنى أجمل أغانيه سيدي وغزيلن فلة في دبي لاقاني اللتين أصبحتا على لسان كل الجماهير بعد الحفل الفني الساهر.

عثمان أول مصور إماراتي في دورات الخليج

وبالمناسبة ظهرت جريدة الاتحاد لأول مرة في الدوحة عام 76 بواسطة الزميل توفيق الطهراوي رئيس القسم الرياضي في ذلك الوقت، حيث كان يراسل الجريدة من قطر في أول تغطية صحافية إماراتية كما كان هناك المصور الصحافي المواطن المرحوم عثمان عبد الودود الذي توفي في بداية التسعينات عندما كان رئيساً لقسم التصوير الصحافي بجريدة البيان وكان المرحوم مبدعاً حقيقياً في فن التصوير الصحافي.

وساهم في حصول العديد من مصورينا على فرصتهم للعمل في الميدان الصحافي.. وأتذكر إحدى المانشيتات الصحافية بعد التعادل أمام الكويت «إبراهيم رضاء لمن لا يرضى» وهو الحارس الأمين للمنتخب الوطني للمرة الرابعة على التوالي في تاريخ دورات الخليج.

وبالمناسبة في هذه الفترة كنت ممثلاً مع المسرح القومي للشباب وقد قمت ببطولة مسرحية (ولد فقر طايح في نعمة) وتركت التمثيل بسبب عدم رغبتي وحبي للمسرح لعشقي مهنة الصحافة الرياضية والتي بدأت تزداد يوماً بعد يوم!

المركز الرابع

وفي البطولة الرابعة حصلنا على المركز السادس وخسرنا 4 مباريات وتعادلنا في اثنتين امام عمان وسجل هدفنا عوض مبارك بينما سجل لعمان حمد حارب الذي انتقل بعد الدورة كلاعب بارز في صفوف فريق العين واستمر لفترة طويلة كمدرب في قطاع الناشئين، وتركنا بصمة تاريخية ما زال جمهور الكرة الخليجي يتحدث عنها عندما فرض التعادل السلبي على منتخب الكويت والذي كان يبحث عن فوز ونفس الحال انطبق على لقاء قطر والعراق.

حيث كان يوم التعادل المثير وكان مضموناً في حسابات اللاعبين العراقيين والكويتيين تحقيق الفوز بسبب سيطرة الكرة في البلدين على دول المنطقة ويعتبران من خيرة المنتخبات العربية في تلك الفترة وتبين ذلك قبل دخولهما استاد خليفة الأولمبي الذي أصبح اليوم تحفة رياضية في وقتنا الحاضر بعد مشاهدتنا لحفلي الافتتاح والختام لآسياد الدوحة 2006 .

فقد انشئ الاستاد من أجل كأس الخليج، حيث لم يكن موجوداً سوى الملعب الوحيد آنذاك.. ولاحظوا معي كيف ساهمت دورات الخليج بتطور منشآتنا الرياضية اليوم والبركة في أم الدورات، وعموماً فرضت النتيجتان في نهاية المطاف إقامة مباراة فاصلة هي الأولى من نوعها لتحديد هوية البطل بين العراق والكويت وانتهت الملحمة زرقاء بتتويج الكويت بطلاً للمرة الرابعة على التوالي بقيادة (المخلص) العنبري.

سر ينشر لأول مرة

وهنا أكتب سراً لأول مرة لم ينشر من قبل قاله لي أحد اللاعبين العراقيين البارزين وكان أساسياً في الدورة الرابعة وهو المدرب مجبل فرطوس والذي يعمل حالياً في نادي الوكرة بقطر بأنهم قبل المباراة الفاصلة جاءتهم مكالمة هاتفية من بغداد من الرئيس العراقي أحمد حسن البكر بأنه يوعد جميع اللاعبين في حالة فوزهم بكأس الخليج «بفيلا» مجهزة من قبل الحكومة العراقية.

وظل اللاعبون طوال الليل لم يروا النوم بأعينهم لأنهم ظلوا يفكرون في البيت الموعود وبالطبع كانت الكرة الكويتية في عزها ومجدها الذهبي ليتألق الأزرق ويفوز بالبطولة للمرة الرابعة على التوالي وسط أفراح كبرى حصل بموجبها كل لاعب من الكويت على «فيلا» في أرقى المناطق الكويتية.

غداً نكمل

صدام حسين يزور لاعبي المنتخبات في مقر إقامتهم ببغداد