الصدفة وضعتني مع الأستاذ في غرفة علاج واحدة، والحكاية تبدأ وأثناء حفل الوفاء لعبد الله حارب لأسرة مجلس إدارة اتحاد الكرة بقرية البوم أول من أمس، والتي تعتبر نقلة حضارية لرؤية رياضيينا القدامى، ليت جيل اليوم يتعلم من هؤلاء الأوفياء تجاه بعضهم البعض، وأثناء الحفل فجأة وبدون مقدمات أصابني ألم شديد في الظهر فلم أتمكن من الوقوف فجلست لمدة نصف ساعة، بعدها ذهبت للعلاج المكثف لدى المركز الطبي بمركز إعداد القادة الرياضيين وهناك كانت المفاجأة.
وهي دخول الأستاذ الفاضل جمعة غريب على الكرسي، وعندما رأيته تذكرت بو منصور نجم الملاعب والجلسات الحلوة معه، انه احد مؤسسي الرياضة الحديثة في الدولة وبالأخص النادي الأهلي، وأول مدير وأول مدرب وطني للمنتخب الوطني لكرة القدم، وعندما شاهدته وهو جالس على كرسيه المتحرك يتحدث بالإشارة، ويعبر عن رؤيته لإنسان يعرفه يعبر بالصراخ فهو يعبر بطريقته، ومن أعماق قلبي دعيت له أن يشفيه ويحفظه لنا.
وتذكرت على الفور إرادة وقدرة رب العالمين في كل شيء، فقد كان (الأستاذ والكابتن) سعيدا بفوز فريقه الأهلي على الشباب في نهائي كأس الاتصالات بالركلات الترجيحية بطريقة لا يمكن أن نتصورها من خلال صراخه، فالقريبون منه يعرفون لغة الصوت، وتشاء الأقدار هو في غرفة يتعالج أسبوعيا ثلاث مرات بنصائح الطبيب، وأخوكم في غرفة بجواره يعالج من الألم الشديد في الظهر، واحمد الله على كل شيء فصدق من قال الصحة تاج على رؤوس الأصحاء.
سعادة جمعة غريب هي سعادة كل الأسرة الأهلاوية، فقد كان احد ابرز الرياضيين الذين مروا بمسيرة حافلة وأحد الشخصيات الرياضية المرموقة في الوطن، حيث تعرض لازمة الصحية خلال احد الأعراس، وبعد أن انتهت مظاهر الاحتفال وهم بالوقوف، إذا به ودونما سابق إنذار يقع أمام أعين الحاضرين مغشيا عليه وتفشل كل محاولات إعادته لوعيه، وهكذا تمر الأيام ويحفظ الله أستاذنا وينعم عليه بانه يستطيع أن يعبر عن فرحته.
وعن معرفته برؤية عزيز أو صديق بإطلاق صيحة من داخله، مع إشارة بيده ملازمة للصوت وهي دلالة على أنه تذكر الشخص، وأنه فرح ومسرور لرؤيته، كيف لا وهو الذي درسني طالبا في المرحلة الابتدائية، وأتذكر واقعة شهيرة عند وفاة زعيم مصر جمال عبد الناصر عام 1970 خرج من المدرسة وهو يرتدي بلوزة خضراء ونظارة سوداء حزينا لرحيل الزعيم.
حيث كنا في مدرسة المهلب وقد افتتحت حديثا، وحصلنا على اجازة في ذلك اليوم، وأتذكره مدربا عندما كنت لاعبا في فريق النجاح فترة السبعينات وصديقا وأخا اكبر في الثمانينات، فهو رمز يحبه الجميع من الكبار والصغار، فالكل يحب هذا الرجل والى يومنا هذا حرص رفقاء دربه بان يزوروه ولم ينقطعوا عنه، ومن فضل الله انه يستطيع معرفة الناس ويتذكرهم ويستمع إلى ذكرياتهم معه، وهذا يسعده كثيرا. فقد مسكت بيده التي علمتني وضربتني وأنا تلميذ صغير وقبلتها.
لعب النادي الأهلي دورا في تحسن صحته نفسيا على وجه الخصوص، فهم حريصون على زيارته بشكل دائم في المنزل، وحريصون أيضا على اصطحابه من وقت لآخر إلى الصالة الاجتماعية بالنادي، وهو المكان الذي كان يحبه وقضى فيه معظم حياته، حقيقة نحن نسعد بمثل هؤلاء، فهو عاشق الأهلي ومسرور ببطولة كأس اتصالات بصورة تعبر عن الصمت بشكل افضل من الكلام.. والله من وراء القصد.