كانت دورة الخليج العاشرة في الكويت، مارس 1990، نقطة التحول التي أعادت كارلوس ألبرتو بيريرا إلى المنتخب الوطني. فقد اهتز مستوى الأبيض وتراجعت النتائج، وبعد الخسارة أمام البحرين، طلب سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، رئيس اتحاد الكرة آنذاك، الاجتماع بالوفد الصحافي المرافق للمنتخب.
كان الاجتماع محدوداً، بحضور أربعة من الإعلاميين، وشهده عدد من القيادات الرياضية أصحاب الخبرة والتاريخ، بينهم أحمد الفردان وحمد بروك وعبد المحسن الدوسري. وكان السؤال واضحاً ومباشراً: من الأصلح لقيادة المنتخب في كأس العالم؟
تعددت الآراء، وحين جاء دور المرحوم علاء إسماعيل زميلي في البيان الذي نقل لي الواقعة قال كلمته التي لم أنسها: «لا بديل سوى استعادة كارلوس ألبرتو بأي ثمن، المنتخب كالرجل المريض، وكارلوس هو الطبيب الذي يعرف كل شيء عن الفريق ويحفظ اللاعبين واحداً واحداً».
ابتسم رئيس الاتحاد، وانتهى الاجتماع، ولم تمضِ أسابيع حتى أعلن التعاقد مع بيريرا لمدة ثلاثة أشهر، تنتهي مع نهاية المونديال، مقابل مبلغ أذكر أنه بلغ مائة ألف دولار.
وصل كارلوس في أحد أيام شهر رمضان، واستُقبل بحفاوة كبيرة، وعقد مؤتمراً صحفياً في مقر اتحاد الكرة المطل على طريق القرهود بناية بن ظاهر بدبي. كان يدرك حجم القلق الذي يحيط بالمنتخب، لكنه تعامل مع الموقف بثقة وهدوء، وقال: «هل تأملون الفوز بكأس العالم؟» ساد الصمت، فأردف بما أصبح لاحقاً من أشهر كلماته: «إذن دعونا نستمتع بالتواجد في المونديال».
لم نفهم وقتها فلسفة الرجل، لكننا فهمناها في إيطاليا.
في معسكر المنتخب بقرية إيمولا، كان بيريرا يبدأ يومه بنشاط، وفي أحد الصباحات توجه إلى ملعب التنس حاملاً مضربه لممارسة هوايته. كان الرجل يؤمن بأن الضغط لا يصنع فريقاً ناجحاً، وأن الاستمتاع بالمشاركة جزء من النجاح.
أما أسلوبه التكتيكي فكان يقوم على الانضباط والتنظيم، والانتقال السريع، والقراءة الدقيقة للمنافس، مع منح اللاعبين أدواراً واضحة داخل الملعب. لم يكن يعتمد على الصراخ بقدر اعتماده على الذكاء والهدوء وفهم التفاصيل.
كارلوس ألبرتو بيريرا لم يكن مجرد مدرب مرّ على الكرة الإماراتية، بل كان شخصية تركت أثراً في جيل كامل، وربطتنا به حكايات امتدت من الإمارات إلى السعودية والكويت، ثم إلى أكبر مسرح كروي في العالم.. كأس العالم.
واليوم، ونحن نراه يواجه المرض، لا نملك إلا الدعاء له بالشفاء، والوفاء لرجل ترك في ذاكرتنا الرياضية صفحات لا تُنسى.
