تمرد على هوية الكرة!

أتابع التطورات والأزمات الحالية بين ثلاث من أكبر الهيئات الكروية في العالم بعد الجدل الذي أثاره رئيس الفيفا.. كرة القدم ليست سلعة تُباع، ولا بطولة تُعرض في مزاد، بل هي إرث إنساني وثقافي، صنعته الأجيال، وتوارثته الجماهير جيلاً بعد جيل، لذلك أرفض بشدة التوجه الذي يقوده رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، والهادف إلى توسيع دائرة بيع بطولات العالم، وتسويقها بصورة تجعل العائد المالي يتقدم على القيمة الرياضية، وأعلن تأييدي الكامل لموقف الاتحادين الأوروبي والآسيوي الرافض لهذا المقترح.

ما شهدناه في كأس العالم الأخيرة من ازدحام في الروزنامة، وإرهاق المنتخبات واللاعبين، ومشكلات تنظيمية وفنية، كان جرس إنذار واضحاً بأن اللعبة وصلت إلى مرحلة تستدعي التوقف وإعادة التفكير، لا البحث عن بطولات إضافية، ومشروعات تجارية جديدة. كرة القدم لا تتحمل مزيداً من الضغوط، لأن الخاسر الأول سيكون مستواها الفني، وهويتها التي عشقناها منذ الطفولة.

الأخطر من ذلك أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ اللعبة، التي نشهد فيها هذا القدر من الخلاف بين مؤسستين كرويتين عريقتين، هما الاتحادان الأوروبي والآسيوي، وبين الاتحاد الدولي. مثل هذا الانقسام لا يخدم كرة القدم بل يفتح الباب أمام صراعات إدارية، قد تلقي بظلالها على مستقبل اللعبة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التوافق لا التصادم.

للأسف أصبحت لغة المال والاستثمار والبزنس تطغى على لغة المنافسة والمتعة. لا أحد يعارض تطوير اللعبة أو تعظيم مواردها، لكن عندما تتحول كرة القدم إلى مشروع تجاري بحت فإنها تفقد روحها، ويصبح المشجع مجرد مستهلك، واللاعب مجرد أصل استثماري.

لقد عشنا مع كرة القدم أجمل سنوات العمر، وكبرنا معها حتى دخلنا نادي «العواجيز»، لكننا لا نريد أن نراها تعود إلى الوراء، بسبب قرارات فردية، لا تراعي رأي الأسرة الكروية العالمية. كرة القدم ملك للجميع، ولا يجوز أن تُدار بعقلية فرض الأمر الواقع. الحفاظ على هوية اللعبة وتاريخها أهم بكثير من أي صفقة أو أرباح مالية، لأن التاريخ لا يُشترى، والشغف لا يُباع.. والله من وراء القصد.