مصر كسبت الاحترام

حظي الأداء الذي قدمه المنتخب المصري في نهائيات كأس العالم 2026 بإشادات واسعة من مختلف الأوساط الرياضية والإعلامية، بعدما نجح «منتخب الساجدين» في تقديم صورة مشرفة تليق باسم مصر وتاريخها الكروي، وكسب احترام العالم بما أظهره لاعبوه من روح قتالية عالية، وانضباط تكتيكي، وأداء فني متميز، رغم الخروج الصعب من البطولة.

وما تحقق في هذا المونديال يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل يمثل نقطة انطلاق جديدة نحو مستقبل أكثر إشراقاً، من خلال مواصلة دعم المنتخب والجهاز الفني، والاستفادة من التجربة بكل تفاصيلها. ورغم حالة الحزن التي سيطرت على المدير الفني حسام حسن عقب الخروج، وتصريحه بأنه لن يشاهد بقية مباريات كأس العالم بسبب الأخطاء التحكيمية، فإن الجماهير المصرية تشاركه الشعور، بعدما رأت أن قرارات الحكم الفرنسي كان لها الأثر المباشر في حرمان الفراعنة من مواصلة المشوار.

ومع اقتراب إسدال الستار على البطولة، لا يمكن إغفال الملاحظات التي صاحبت التنظيم والمستوى الفني، حيث شهدت المنافسات العديد من الأخطاء والتدخلات التي أثرت في صورة الحدث العالمي، وهو ما يجعل المقارنة مع النسخة التاريخية التي استضافتها قطر عام 2022 تصب بوضوح في صالح الأشقاء، الذين قدموا نموذجاً استثنائياً في التنظيم والإدارة والرسالة الحضارية التي ما زال العالم يتذكرها بعد أربع سنوات.

وعلى الصعيد الفني، أثبتت البطولة أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعمل والاجتهاد، وأن «الطيور طارت بأرزاقها»، بعدما كشفت المنافسات الفوارق بين المنتخبات، وأظهرت قيمة التخطيط طويل المدى. وكل الأمنيات لمنتخب المغرب بمواصلة مشواره وتحقيق إنجاز عربي جديد يعيد الفرحة إلى الجماهير العربية، ويؤكد أن الكرة العربية أصبحت رقماً صعباً على الساحة العالمية.

لقد كشفت هذه البطولة الكثير من الدروس، وفي مقدمتها أن الثقافة الرياضية تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالمؤسسات الرياضية، وصولاً إلى المجتمع بأكمله. كما أن التجربة القطرية تستحق الدراسة والاستفادة منها، ليس فقط في جانب التنظيم، وإنما في كيفية توظيف الحدث لخدمة الهوية والثقافة، رغم ما واجهته من حملات وانتقادات وعنصرية من بعض الأصوات الأوروبية.

ومن هنا، فإن المنتخبات العربية الثمانية التي شاركت في كأس العالم مطالبة بالتوقف أمام هذه التجربة، واستخلاص العبر، فنجاح كرة القدم لا يتحقق بالشعارات أو «بيع الكلام»، وإنما بالفكر والاستراتيجية والعمل المؤسسي. فكأس العالم يمثل قمة الهرم الرياضي، والأموال وحدها لا تصنع البطولات، بل يصنعها الإنسان الواعي، والثقافة الرياضية، والإدارة الاحترافية، والتكامل بين الجوانب الفنية والإدارية. وعندما تتقارب المؤسسات الرياضية وتعمل وفق رؤية موحدة، تصبح الإنجازات أقرب إلى الواقع، وتتحول الأحلام إلى حقائق، والله من وراء القصد