لم تعد كرة القدم تحتفظ بالهوية والشخصية التي عرفناها في الماضي، فالتنافس بين الأندية، الذي كان يوماً وسيلة لتطوير اللعبة وإسعاد الجماهير، تحول في كثير من الأحيان إلى مصدر للأزمات والخلافات والاحتجاجات التي لا تنتهي. وما نراه اليوم في عصر الاحتراف يدعو إلى القلق، مقارنة بزمن الهواية الذي كانت فيه المنظومة الرياضية تعمل بروح العشق والانتماء للعبة قبل أي شيء آخر.
المشكلة ليست في كرة القدم نفسها، بل في العقليات التي تديرها. فقد أشار أحد المسؤولين مؤخراً إلى أنه فوجئ بأن بعض العاملين في الوسط الرياضي جاؤوا لتحقيق مصالح خاصة أو لتصفية حسابات مع مراحل سابقة، بدلاً من العمل من أجل تطوير الرياضة وخدمة المصلحة العامة. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
ورغم أن مئات الملايين تُصرف على كرة القدم، مسؤولون في الأندية يتعاقدون مع مدربين بعقود قصيرة، لا تتجاوز أحياناً بضعة أشهر، ثم يتم الاستغناء عنهم بسهولة، ليغادروا حاملين تعويضات مالية ضخمة. والمفارقة أن كثيراً من هؤلاء المدربين يعودون من أبواب أخرى بعقود أكبر وأرقام أعلى، وكأن شيئاً لم يكن.
والسبب أن القرار الفني في عدد من الأندية لم يعد بيد أصحاب الخبرة والكفاءة، بل أصبح خاضعاً لتأثير وكلاء اللاعبين وسماسرة التعاقدات وأصحاب المصالح، الذين يقدمون الحلول الجاهزة من مدربين ولاعبين، فتدور الكرة الإماراتية في الحلقة نفسها دون تقدم حقيقي.
وما نتابعه اليوم من عودة مدربين سبق الاستغناء عنهم بعقود خيالية يؤكد أن المشكلة إدارية بالدرجة الأولى. فغياب التخطيط والاستقرار الفني يهدر الأموال ويعطل التطور، بينما تستمر الأندية في دفع ثمن قرارات متسرعة لا تخدم مستقبل اللعبة.
كرة القدم تحتاج إلى إدارة محترفة قبل أن تحتاج إلى لاعبين ومدربين محترفين. فمتى نشاهد مراجعة شاملة تعيد للعبة هويتها، وتضع مصلحة الرياضة فوق المصالح الشخصية؟ سؤال ما زال ينتظر الإجابة من أهل القرار...
والله من وراء القصد