إنه التعميم..

ت + ت - الحجم الطبيعي

وقعنا لفترة طويلة من الزمن تحت تأثير تلك الكتابات والنقاشات والأفكار التي نقلت لنا صورة شديدة القتامة عن الشعوب والثقافات الأخرى، تلك الكتابات التي وجدت لها ترويجاً عندنا فترة الستينيات والسبعينيات، عبر أشخاص وجمعيات واتجاهات معينة، وأصرت على تصوير الآخر بشكل غاية في السوء! إلى جانب أفكار مماثلة، نقلت عنا لهذا الآخر، حيث تم تصويرنا بغير حقيقتنا تماماً كأمة وثقافة وحضارة!

حين اختلفت الدنيا وسار بنا العمر في اتجاهات ومناحٍ لا حصر لها، وحين أخذتنا غواية الأسفار والمعرفة والمسافات، عرفنا أن معظم ما قرأناه عن هذا الغرب من منظور التعميم ليس صحيحاً، وأن ما تناقله هذا الآخر عنا ليس صحيحاً كذلك، فالعرب ليسوا متخلفين ولا همجيين ولا قساة لا علاقة لهم بالتحضر والقوانين والعمران والبناء، إنها خطيئة التعميم!

وحين جاؤوا إلى بلداننا عرفوا أن الحقيقة ليست في تلك الكتابات المشوهة، وأن بعض العرب كالغرب لهم نصيب مثلهم من معادلة التخلف والتطرف، وكل بحسب معالجاته ومعادلاته وفهمه.

التعميم خطيئة فكرية تحرم الإنسان نعمة الحكمة والعدالة، وهو أسوأ ما يمكن أن تتمخض عنه تجربة أحدنا في الحياة، فقد يحدث أن نقع ضحية تحايل من هنا، ونصب من هناك، وغدر من فلان، وخديعة من علان، ذلك أمر يحدث دائماً وفي كل مكان، لكن تعميم صفة الخديعة والنصب والسرقة على شعب بأكمله، لأن شخصاً أو عشرة أشخاص قد خدعوك أو سرقوك، فهو تعميم ونتيجة غير عقلانية وغير حكيمة وغير مقبولة إنسانياً!

منهج التعميم هذا يذكر بتلك الكتابات التي تحدثت عنها في البداية، فحين ذهب أحدهم إلى أمريكا في سنوات الخمسينيات مثلاً، والتقى أشخاصاً أو عائلات مفككة أو ذات أنساق سلوكية مناقضة لما تعوده في مجتمعه أو لما ينص عليه دينه، عاد ليكتب عن أمريكا المفككة والمنحطة و..و.. دون أن يمر على إنجازات أمريكا وعلمها وجامعاتها واختراعاتها، ومؤسساتها الديمقراطية وصحافتها وإنتاجها العظيم من الكتب والمعرفة.

كذلك من كتب عن همجية العرب وتخلف المسلمين، لو توقف قليلاً عند إنجازات حضارة العرب وأثرهم في مسيرة الإنسانية لعرف يقيناً أن الأمة المتخلفة لا يمكنها أن تبني حضارة!

طباعة Email