كل يوم تحصد المعارضة والجيش الحر السوريان مكاسب جديدة، فالقبض على ثمان وأربعين إيرانياً صنّفوا ضمن عسكريين دفعت بهم سلطتهم لمساعدة النظام السوري، وقد تكشف التحقيقات وبالوثائق هذه المرة تورطاً إيرانياً مباشراً، وقبل ذلك الضربة الكبرى تفجير الأمن الوطني الذي حصد الرؤوس الأساسية لصياغة وتنفيذ القرارات العليا..

ثم توالي الانشقاقات، رئيس الوزراء ومعه وزراء وضباط، وهم مفاتيح أسرار مهمة للسلطة، وكذلك من سبقوهم من رؤوس عليا بمن فيهم رائد الفضاء الشرع، وهذا يدلل أن الهروب بهذه السلسلة المهمة، سوف يطرح بعداً للشكوك وعدم الثقة بالمحيط، بالرئاسة وأجهزة الأمن والجيش حتى أن تسريبات سورية من أن حماية الأسد ونظامه خضع لعناصر إيرانية ومن حزب الله، أي حتى أعضاء الطائفة صاروا موقع شك، وأن الأسد أصيب بوسواس من الأطعمة والمياه، وكل ما يتعلق بالحياة اليومية، إما سموم، أو متفجرات وتحت هذا الضغط النفسي بدأ يتصرف برعب المصير المظلم وبإصدار أوامر القتل مشافهة خوفاً من الاختراقات التقنية ورصدها والتجسس عليه..

هذا الحصار النفسي والرعب، ومطاردة الأشباح المجهولة، باتت تضاعف الخوف المحيط به، وهذا نجاح ايجابي للجيش الحر والذي بات يعرف الواقع الداخلي في المراكز الحساسة للاستخبارات والأمن، مما يطرح بعدا أن نظام الدولة يتداعى من خلال الهروب الكبير، والذي دافعه القراءة الواقعية بأن الأسد أصبح يعيش أيامه الأخيرة..

هناك من يرجح أن من داخل بنيته الجهاز الأمني من يتعاون مع المعارضة، وإلا كيف يتم انشقاق وتهريب عناصر تراقب حركاتهم ويتم التنصت على اتصالاتهم وهم جزء من لحمة النظام وبوظائف مرموقة، طالما الحصار الحديدي والمراقبة والالتزام بساعات وأماكن العمل التي تخضع لعيون السلطة كلها تحت نظر الأسد وأعوانه؟!

المؤكد أن البحث عن السلامة دافع أساسي، لكن المغزى أن السلطة تتفتت من داخلها، ودافع الانشقاقات أصبح هاجساً عند معظم القيادات، والعاملين بالمراكز الحساسة، ولعل ضعف الروح المعنوية وانكسار حاجز الخوف، وتوفير الملاذ الآمن وتسهيل السفر حتى بوجود الحواجز والمخافر ونقاط التفتيش، شتت ذهن السلطة وانفلات أعضائها..

كيف تتم هذه الانشقاقات وروسيا وإيران والصين، توفر للنظام تقنيات عالية في الأجهزة الأمنية والاتصالات ووسائل الحماية من الاختراق، لولا أن جبهة أخرى تحارب بتقنيات أعلى ويكفي أن الدخول في عمق المواقع المحصنة وضربها، عمل حيّر الحلفاء، وبالتالي فالنظام لا يخسر فقط رجاله ودروعه التي تحميه، بل ضعف وسائله التي ظلت السلطة العليا حتى في مراقبة أنفاس الخصوم ومن هم في حقل السلطة وحمايتها مكشوفة؟!

وتأتي مسألة الحدود المفتوحة مع تركيا والأردن، والتي أصبحت خارج السيطرة في عبور الأشخاص والأسلحة والجواسيس وغيرها، وحتى لبنان، رغم خوف السلطة هناك من أي ظن أو شك في مساعدتها للثوار والمعارضة، فإن السيطرة على الحدود باتت صعبة، وخاصة من المجاميع المؤيدة للثورة سواء أكانوا مسلمين أو حتى مسيحيين..

الأسد يعيش في قفصه المغلق، والدليل أنه بلا ظهور مباشر ليخطب بالمناسبات وهو ترجمة حقيقية لوضعه الصعب والمعقد داخل حبوسه التي فرضت عليه بالقوة..