«ميت رومني» المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية، يبدو أنه من رعاة البقر، لا شخصية تضع نفسها في موقع المسؤولية لدولة عظمى، فهو يتكلم بلغة الشارع، لا رجل الدبلوماسية، عندما أغضب أصحاب الأعصاب الثلجية بقوله، وقبل افتتاح «المونديال» (إن لندن لم تستعد كفاية لدورة الألعاب الأولمبية) مما دفع الأوساط البريطانية والإعلام إلى السخرية منه، وأنه قدّم، بسلوكه أهم هدية لفوز أوباما في الانتخابات القادمة..

في فلسطين المحتلة قال: «إن الفروقات الاقتصادية بين الفلسطينيين، والإسرائيليين تعود إلى الحالة الثقافية» ثم اعتباره القدس عاصمة لإسرائيل، مما جعل كلامه يرقى إلى البعد العنصري حتى ان البيت الأبيض طالبه بإيضاحات لأن الموقف الرسمي من القدس ثابت من خلال الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض، ولم يتغير..

الغريب المحيّر أن من يرشحون لرئاسة البيت الأبيض من الحزبين الجمهوري والديموقراطي يذهبون إلى أقصى نقطة بطلب ولاء إسرائيل، ولا نجد ذلك يندرج مع دول حليفة مثل كندا، وألمانيا وبريطانيا، والتي تعتبر إسرائيل أصغر من حي في إحداها، وتتجاوزها اقتصادياً بآلاف المرات، وبالتالي فمقولة «إن تل أبيب تحكم واشنطن» تبرر من خلال هذه السلوكيات..

لكن هل قادة أمريكا من الضعف بالخضوع لإسرائيل؟ حادثة صغيرة قبل عدة أشهر عندما زار «نتنياهو» واشنطن ثم ألقى كلمة في الكونجرس وسط تصفيق فاق عشرات المرات خطب الرئيس أوباما أو غيره، وقطعاً نبض أمريكا يبدأ من الكونجرس الذي يعد الجهة النافذة في أي قرار سياسي، أو عسكري، أو اقتصادي، وهذا يدلل أن إسرائيل، بالفعل والقول عنصر تأثير قد لا يكون شاملاً في التوجه الأمريكي في كل السياسات الدولية، لكنه حاسم في منطقتنا..

رومني استفزازي، وبحال فوزه، ستتغير الألفاظ والمواقف، لأن من يتحدث وفق مسؤوليته الشخصية، غير من يكون مسؤولاً يحاسب على أي تصريح وقول يخرج عن الأعراف التي تحكمه، ومع ذلك فاللباقة مسألة تدخل فيها المشاعر المقابلة وعملية أن يثير جدلاً في عواصم كبرى مثل بريطانيا، أو يتكلم بمحرم عن القدس، قد يكون شأنه، ولكن مثل هذه المواقف إنبوب اختبار، وخاصة في منطقتنا العربية التي يتضاعف فيها العداء لأمريكا من خلال سياساتها المؤيدة لإسرائيل..

المؤلم أن ما يزيد عن ثلاثمائة مليون عربي، ومليار مسلم، ليس لهم قدرة التأثير في الداخل الأمريكي رغم وجود أقليات ربما تتساوى بعددها مع اليهود، لكن الفارق أن اليهود يدركون فهم الطبيعة الأمريكية وسايكلوجية المواطن هناك، وحتى العلاقة مع القوى المؤثرة صار اليهود قوة يخشاها الجميع، بينما لا نجد إلا الإهانات المتعمدة، والمطاردة لكل عربي ومسلم بدعاوى الإرهاب..

المجتمع الأمريكي إنساني بطبيعته، ويتأثر بالمواقف المعقدة، لكنه لا يهتم بالأمور السياسية، لأن همومه ذاتية، وغالباً ما تتجه للوظيفة والضرائب، وحياة الرفاهية، ومع ذلك فهو سهل الاختراق إذا ما عرف الواقع وخاصة سياسة بلده غير المتوازنة مع القضايا الدولية، لكننا، عربياً، وإسلامياً في غيبوبة تامة بالقدرة على التأثير في هذا المجتمع، وهي أسباب ترجع لنا طالما نحن منقسمون في كل شيء، وننظر لبعضنا من باب الشك والريبة..

عموماً إسرائيل عدو يملك أسلحة عديدة، وأهمها أنه حصل على تحالف مع دولة عظمى، وهو أقوى تحالف استراتيجي وشراكة في كل شيء..