هل تطور الأحداث في دمشق مقدمة لما قبل حسم النهايات للنظام، خاصة وأن استراتيجية الثوار سوف تدخل مرحلة حرب الشوارع في مدينة مكتظة بالسكان وذات جغرافية معقدة على أي سلاح تقليدي مثل الدبابات وراجمات الصواريخ والمصفحات وغيرها، ولعل ذكريات بورسعيد في مصر أثناء حرب 1956م وكيف قهرت الغزاة (وستالينقراد) في روسيا التي حسمت المعركة في المقاومة ضد النازية، تعيدان الذكريات لدمشق، وهنا ماذا سيكون خيار السلطة لو حاصرت قوات الجيش الحر المواقع الحساسة القريبة من قصر الرئاسة؟
نظام ينتحر لابد أن يقود المعركة إلى حدود أخرى، فقد يستخدم مخزونه من الأسلحة الكيماوية في عملية إبادة شاملة، وهنا سيجري السيناريو على موقف مختلف من التباطؤ باتخاذ قرارات دولية من مجلس الأمن، إلى تدخل مباشر، وسيكون الموقف الروسي - الصيني ضعيفاً، ويعيد روسيا إلى واقع جديد، فلا تستطيع أن تكون أمام إدانة دولية في استخدام سلاح محرم، قادرة على التبرير أو رفع الصوت أمام معارضيها، وربما تواجه وضعاً عربياً يقتضي قطع العلاقات معها، لأنها لا تستطيع حماية دولة خارجة عن القانون..
بالنسبة لحكومة النظام فالخيار قد يكون الهروب من دمشق إلى مناطق أو منطقة توفر الحماية، لكن أن تصبح العاصمة خارج السلطة، فالتطورات اللاحقة ستعني المزيد من المنضوين للجيش الحر، وفتح الطرق مع دول مجاورة، وحتى في حال إغلاق المنافذ، فإن تشتت الجيش النظامي بين المدن والقرى الثائرة ستجعله غير قادر على امتلاك الحركة، بل ان الدعم الخارجي سيكون مستمراً، يضاف إليه الانشقاقات التي ستحدث، والتي ستبقى رافداً للثورة وجيشها، وانتقال السلطة من العاصمة يعني تأكيد تراجعها وهزيمتها مما يغري مدينة مثل حلب أن تقتفي خطى العاصمة..
المعروف أن العلويين، وقبل جلاء المحتل الفرنسي، حاولوا إنشاء دولتهم على الساحل، وقد يكررون الرغبة في إحداث تغيير جغرافي يؤدي إلى تمزيق سوريا إلى دويلات، لكن هل تركيا ستسمح بمثل هذه الدولة، لتكون نواة لدولة كردية تتجه بنفس الأسلوب، ثم كيف ستقبل واقعاً جديداً يخل بأمنها من نظام ينشأ على قاعدة طائفية، ومتحالف مع إيران وروسيا، ثم هل تقف الدول الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية في المنطقة مع هذا السيناريو، وكذلك إسرائيل التي تراقب الأحداث بقلق مختلف، وما تأثير ذلك على وحدة لبنان وأمنه؟!
اسئلة لن تجد الأجوبة، لأن طبيعة الصراع الداخلي سيدفع بنفسه لتخطي الواقع وإدخال القوى الخارجية بقوة قانون التصرفات اللامقبولة من النظام نفسه للداخل السوري، ولعل ما يعد من قرارات خارجية، حتى لو ساد خلاف بين أطراف أعضاء مجلس الأمن فالمداخل والمخارج كثيرة لتقرير المصالح العليا وحمايتها..