مهما ترك المرء لخياله العنان, فلن يتخيل حجم المظالم والمشكلات التي تركها النظام السابق للمصريين قبل أن يسقط.. وما هذا الذي نراه من وقفات احتجاجية واعتصامات, وقطع للطرقات.
ومشاجرات بين أبناء الشعب بعضهم البعض, إلا الجزء الظاهر فقط من جبل الجليد الجبار الضارب بجذوره في محيط الحياة المصرية العميق.
وبالتالي, فإن صرخات المظلومين التي نسمعها كل يوم, سواء عند باب القصر الجمهوري أو علي قضبان المترو والسكة الحديد أو علي أبواب المصانع والمؤسسات ستتواصل, بل ستزداد.. وهي مبررة ومفهومة.. لكن غير المفهوم هو دور الإعلام من هذا الصخب المؤلم للجميع.. أين الإعلام؟
عشرات البرامج الكلامية الليلية نراها كل يوم.. فماذا نري وماذا نسمع؟.. كلام في كلام, وليس هناك غوص حقيقي في مشكلات الناس.. تشعر, وأنت تشاهد هذه البرامج, بأنك أمام مجموعة من المثقفين الذين يفرقعون كلاما كبيرا منمقا, وكأننا في محاضرة جامعية, أو في مسرحية..
وتسأل نفسك: وأين الناس؟.. أين هؤلاء المتألمون الصارخون الجائعون العاطلون الغاضبون؟
إن الواحد من هذه البرامج ـ إذا هو التفت إلي الناس أصلا ـ تجده يكتفي بجملة سريعة مقطوعة, أو جملتين, بينما يتركون الميكروفون للسيد المثقف الكبير يتكلم بالساعة والساعتين.. ما هذا الإعلام؟.
يا سادة.. انزلوا بكاميراتكم وميكروفوناتكم ومذيعيكم حليقي الذقون, ومذيعاتكم الجميلات, إلي صفوف الغلابة, وطوابير اللاهثين, ثم خذوا الناس معكم, وادخلوا بهم علي المسئول في عقر داره, أيا كان حجمه, ولا تخرجوا من عنده إلا ومعكم حل للمشكلة, فإن لم يستطع فليصارح المواطنين بحقائق الأشياء.
كفاكم ـ أيها الإعلاميون ـ كلاما.. وهيا انزلوا للناس, وإلا فلن يصدقكم بعد اليوم أحد أبدا!.