كانت المدينة تغفو مع انحسار أشعة الشمس، وانحدارها نحو الغروب مودعة بيوتها الطينية ، وناسها المعدودين أُسراً، وأفراداً، والمعروفين مناشط حياتية وعملية، وتغلق بواباتها المعروفة لتنام في حضن السور الطيني العتيق وسط سكون صحراوي مهيب وملهم، وهي في فضائها الجغرافي أقرب ما تكون لقرية تعرّفت حديثاً إلى أدوار وأنماط حياة مدينة تولد وتتشكّل لتأخذ وظيفتها المؤثرة والفاعلة في مناحي سياسية، واقتصادية، وقيادية هي من خصائص وسمات العواصم .
وكان رمز النظام السياسي" قصر الحكم " يقوم وسط حركتها الاقتصادية البسيطة والمتواضعة، وتحيط به صور مناشطها التجارية، وتطغى أصوات الباعة والمتسوقين على حركة القصر الإدارية، بمعنى أن جغرافية المكان تحتضن كل نشاطات المدينة، وحياتها اليومية، ولقاءات أهلها، وتواصلهم الاجتماعي، والبوح بشؤونهم، وشجونهم، وأحلامهم، وآمالهم، وهم في كل الأحوال يتوزّعون بين سوقها الرئيس " المقيبرة " حيث المركز المالي والاقتصادي ، ويلتفون حول " القصر".
هكذا كانت صورة الرياض - العاصمة - عند التأسيس، وانطلاق نضالات عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وكفاحه ليوحد الجغرافيا والإنسان في فضاء جغرافي واحد ، ونسيج اجتماعي واحد منصهر في توجهاته، وانتماءاته، وولاءاته، من مياه الخليج العربي وحتى شواطىء البحر الأحمر، مظللةً بالأمن والحب، عامرة بالإنتاج والرفاه، هادئة في عيش مضامين التطور والحداثة .
صورة الرياض العتيقة تحضر بشكل قراءة لتحولات المدن، وإعادة صياغات حياتها، عندما تستدعي التاريخ الاجتماعي وتنشئ مقارنة بينه وبين حقائق الواقع المعاش، وتحاول أن تُخضع الأمور للفهم والتسجيل التوثيقي وتجيب عن أسئلة من نوع ، كيف كنا ، وكيف أصبحنا، ؟ أو .. كيف تقوم المدن وتتوسع وتأخذ امتدادها في كل الاتجاهات في زمن قياسي كالذي عاشته الرياض..؟ ، وكيف تحققت كل هذه الأدوار التاريخية لها كعاصمة سياسية وبالتالي للكيان الذي تمثّله..؟
المراقب والمتابع والمتأمل يقف مشدوهاً بإعجاب أمام مشهد المدينة مساء السبت ، حيث تحوّلت في رمزها السياسي إلى عاصمة حب سافرت به القلوب من أقصى الوطن إلى أقصاه ، قبل أن يشخص الناس إلى قصر الحكم في تعبير صادق عن الولاء وعمق الانتماء والاعتزاز بالهوية يمنحون سلمان بن عبدالعزيز الصدق، والوضوح ، والثقة لحمل الأمانة ولياً للعهد ورجل حكم وقيادة استثنائياً ، في مسار يضع أطره خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز .
توافد الناس من كل اتجاهات الوطن ومناطقه ومدنه وقراه وهجَرِه إلى الرياض، وتدافعوا على قصر الحكم الرمزين التاريخيين في استفتاء عفوي مبهر، لم تقوننه المخابرات ، ولم يحدث بفعل الخوف من السجون والمعتقلات، بمعنى لم يكن بالترهيب أو الترغيب ، وإنما عبر قلوب مغسولة بالحب ، مسكونة بالوفاء لرجال نظام منحوا الحب بسخاء للوطن والإنسان ، فأخذوه سخاء التفاف وانصهار في تحديد المصائر والمستقبلات.
وقف سلمان بن عبدالعزيز في قلب المدينة التي تولى مسؤوليات إدارتها ، وهندسة تطورها وتحديثها منذ عام 1954، شاهدَ عصر، ومؤسس مراحل لمدينة كانت تنام داخل سورها الطيني ، إلى فضاء يضم مدناً داخل مدينة اسمها الرياض.
سلمان الرجل والرمز ، أعطيت عملاً وإنتاجاً فأخذت حباً لتعيش في القلوب.