زوابع المشرق العربي أول عقود الخمسينيات والستينيات، عصفت بالمغرب، فكانت المرحلة في بدايات التحول العاطفي، والعشوائي، دقت طبول الثورات التي هي مجرد انقلابات عسكرية قضت على المؤسسات الناشئة الاقتصادية وغيرها من البنى التي خلفتها الأنظمة السابقة بما فيها إلغاء الأحزاب والبرلمانات وتأميم الصحف على اعتبارها مخلفات لا تتسق مع الثورات ومنظورها للعمل الوطني والقومي الثوري والحديث في تطلعاته وأفكاره..
في ظل هذه الأجواء بدأت المشاعر تتدفق في البيت والشارع، وعلى مستويات جميع طبقات المجتمع بالعمل على الوحدة العربية، فكانت البداية المفاوضات السريعة بين البعث في سوريا وحكومة عبدالناصر، وعلى عجل تمت الوحدة بين البلدين في اطار الحكومتين دون النظر إلى الأسس التي يقوم عليها اندماج نظامين بتقاليدهما وأبعادهما السياسية والاقتصادية والتركيبة الاجتماعية والتي لم ينظر لها بفهم العقبات التي ستنشأ في ظل الوحدة، وتعقيداتها..
وكرد فعل جرت مباحثات وحدة الحكمين الهاشميين في العراق والأردن لكن انقلاب عبدالكريم قاسم على المملكة الهاشمية في العراق أوقف الوحدة، ولم يطل العمر بالسيناريو الأول حيث تم الانفصال ومعه حرب شرسة بين اخوة الأمس، إلى حد القطيعة والعودة إلى مسلسل الانقلابات..
في المغرب العربي لم يكن مثل هذا المشروع يدور في ذهن القيادات أو الشعب لحداثة استقلال الجزائر، وعمق القضايا المحلية التي تحتاج إلى انتقال سلس للدولة ومتطلباتها ومع أن تأثير المشرق كان ظاهراً ما أحدث انقساماً بين من يتجه إلى دول الغرب الرأسمالي، ومن ذهب إلى مغريات الاشتراكية والثورة الأممية والتي ستقضي على النظم الرأسمالية ليحل بديلاً عنها حكم «البروليتاريا» غير أنه بعد فشل وحدات المشرق اتجه المغاربة إلى مفهوم مقبول عندما طرح مشروع أقرب «للكنفودرالية» لكن اسفين خلاف الصحراء بين الجزائر والمغرب أوقف كل شيء، وهما البلدان الأكبر في مرتكز أي وحدة تؤسس علي أي نمط يباركه الجميع..
الآن، وبعد التغيرات الجديدة في كل المنطقة، ومحاولة إغلاق قضية «البوليساريو» وعوائقها، بدأ تحرك جديد بمشروع معدل يدعو إلى إعادة النظر بالعمل المشترك وقد يكون تأثير الاتحاد الأوروبي باعتبار الثقافة والجوار والتواصل مع القارة، فرض التفكير من جديد بإنهاء الخلاف وبدء مرحلة جديدة تهدف إلى التوصل إلى بيئة عمل واحدة وفي اتحاد مغاربي واحد..
الفرصة لهذه الدول مهيأة أكثر من دول المشرق، باستثناء مجلس التعاون الخليجي، الذي وإن سار بخطوات بطيئة، إلا أنه أصبح محور تعاون أكثر، ودول المغرب لديها الثقافة والتكامل الاقتصادي والتلاحم الجغرافي، والنضج الشعبي المهيأ لهذا الدور، وقطعاً لو تم تنفيذ هذه العملية وبعقد عقلاني يستشرف كل الظروف فإنها البداية المهمة لما بعد التجزئة العربية ومشاكلها..