يتحدثون عن «سيناريوهات» كثيرة للمنطقة تُرسم من قبل قوى عظمى، ودول إقليمية وعربية، وكلّ يتنبأ بأحداث وقراءات لا تدري هل تغيّر وجه المنطقة، وبأي أسلوب، وهل تحدث تكتلات تجمعها مواقف تدار من خلف الجدران لصالح الخارج؟
فالصورة الأولى تقول إن مثلث تركيا ومصر، وإيران قد يشهد تلاقياً يحكمه ثقل كل دولة، لكن ما هي المعايير التي تقاس بها مصادر الثقل والتأثير على بقية الدول، هل هي الاقتصاد أم الجغرافيا، أم المكان كحلقة وصل بين تقاطعات دولية؟
وهل رسْم مثل هذه الخريطة يتم فقط من خلال القوى الثلاث دون فهم العلاقات الدولية في المنطقة وتجذرها ورعاية مصالحها حتى لو استدعى الأمر التدخل المباشر عسكرياً، واقتصادياً؟
وأين موقع إسرائيل التي رغم ضآلة حجمها الجغرافي تشكّل أساساً في أمن المنطقة، أو توتيرها، بحكم تقدمها العسكري والتقني أو الرعاية الخاصة من قبل أمريكا ودول أوروبا؟
الصورة الثانية قلّصت دور دمشق وبغداد، الأولى بسبب تحالفها مع إيران، ومحاولة أخذ موقع أكبر منها، ما ورّطها في مشاكل لبنان سواء ما كان قبل نشوء قوة حزب الله، أو بعد أن تشكّل مثلث القوة مع سورية وإيران، بينما العراق خرج من الدائرة العربية إلى الإيرانية، وبشكل معلن لكن عدم استقراره أفرز شكلاً آخر ربما يجزئ الوطن إلى عدة كانتونات باسم حكومات محلية، أو ولايات تحكم شكلاً من المركز، بينما هي تدار حقيقياً من داخلها..
الصورة الثالثة لم تر كيف تغيرت الموازين وانتقال الثقل الاقتصادي إلى منطقة الخليج العربي، والتي شكلت المعيار الأهم في الوقت الحاضر، وربما إلى دورة زمنية غير قصيرة، فعدا تركيا التي تعد من الاقتصادات الناشئة في التقدم الزراعي والصناعي، والاستثمار الخارجي الذي انعكس إيجابياً عليها، وتحولها إلى محور ليس تجاه المنطقة العربية، بل حتى لصالح حلف الأطلسي، إلاّ أن دول الخليج العربي، أصبحت عملياً الأكبر دخلاً وإنفاقاً على بنيتها الأساسية واستثماراتها العربية والخارجية وبالتالي فإن إسقاطها من المعادلة يؤكد ضعف الرؤية، فإيران غارقة في مستنقع خلافاتها مع العالم، وتوجّه مداخيلها للتسلح لتكون الرصاصة لها الأولوية على قرص العيش، ومصر تمر بترتيب أولوياتها الأساسية في تحسين معيشة الشعب وأمنه، والتخلص من تركة ثقيلة ورثتها من السلطة الماضية، وكل هذه الصور قابلة للتبدل نتيجة أنها منطقة تهم العالم كله، ولا تزال في حالة معقدة، ولا ننسى أن هناك دوراً منتظراً للصين والهند وروسيا بحكم تشابكها مع واقع المنطقة، ولن يكون غائباً، وربما حضوره يفرض تقليص نفوذ الدول التي ظلت تحتكر الأدوار وحدها، لكن يبقى التنازع قائماً، وما لم يكن للعرب توجّه حقيقي في وحدة الأهداف، فإن كلّ الأدوار الخارجية ستكون مَن يرسم الخرائط، ويجزئ الكلّي، أو يربطه بعجلته..