لم يكن المتابعون للتطورات الليبية في الأشهر الستة الأخيرة يتوقعون لثورة 17 فبراير الليبية غير الانتصار وتحرير بلادها من نظام أمتد ظلمه وظلامه على مدى عقود طويلة خاصة بعد أن رأوا هذه الشجاعة الخارقة التي أبداها شباب ليبيا ورجالها مستخفين بكل آلات الموت والقتل والدمار..
ثم جاء التدخل العسكري لقوات الناتو في الأزمة الليبية بذريعة تطبيق القرار الدولي 1973 ليربك الموقف العام مما يجري في ليبيا، فالبعض أيد ذلك التدخل بحجة ''حماية المدنيين''، فيما اندفع البعض الآخر إلى الدفاع عن القذافي بذريعة رفض التدخل الأجنبي، بينما اختار فريق ثالث، بينهم المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي/الإسلامي، والمؤتمر العام للأحزاب العربية، موقفاً يدين في وقت واحد جرائم النظام الليبي ويرفض تدخل (الناتو) ويحذر من تداعيات هذا التدخل في المستقبل.
يومها أسيء فهم هذا الموقف المركب مما يدور في ليبيا سواء من مؤيدي القذافي، أو من أنصار تدخل (الناتو) في آن، ولكن أصحاب هذا الموقف كانوا يؤكدون دائماً أن موقفهم ليس نابعاً من مجرد الرفض المبدئي للتدخل الأجنبي، وهو رفض مسّلح بجملة تجارب مرت بها بلدان عربية وإسلامية فحسب، بل لأنه موقف يسعى أيضاً من خلال هذا الرفض المبكر للتأسيس لنهج مقاومة التدخل الأجنبي مستقبلاً بعد سقوط النظام، كما يسعى لتحصين الحراك الشعبي العربي عموماً من آفة استسهال الاستعانة التدخل الأجنبي.
كان الموقف القومي آنذاك يلاحظ إن التدخل الأجنبي في مسار الثورة الليبية لا يشوه نقاء هذه الثورة ويضعف موقفها أمام قوى التحرر العربية والإسلامية والعالمية فحسب، بل إنه يلعب لعبة ''إدارة الأزمة'' لإضعاف الطرفين وإخضاعهما لابتزازه، وهو ما يجري هذه الأيام بالذات، كما إنه يحاول العودة بعقارب الزمن إلى الوراء، أي إلى مقولة شاعت لا سيّما بعد غزو العراق ,2003 وهي استحالة التغيير دون غزو خارجي، ثم سقطت تلك المقولة بفعل ثورتي تونس ومصر.
وكذلك كان الموقف الحاسم من التدخل الأجنبي، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وقضائياً ناشئاً من إدراك سليم بأن الدول عموماً، لا سيّما الأطلسية منها، ليست جمعيات خيرية بل إن لها مصالح جشعة تسعى إلى تحقيقها من وراء أي عمل أو مبادرة تقوم بها. وإذا كان المشروع النهضوي العربي يؤكد في أبجديته المبدئية على التلازم بين عناصر هذا المشروع المتمثلة بالوحدة والاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة والتجدد الحضاري، فهو يرفض، وبهذا المعنى منطق المقايضة أو الأرجحية بين هذه العناصر، لذلك إن الموقف القومي مما يجري في ليبيا أو غيرها، يرفض تغييب حرية الشعب بأي مبرر، ويرفض أيضاً أن يعرّض استقلال الوطن وسيادته للانتهاك بذريعة الدفاع عن الحرية وحقوق
ويصبح منطق رفض التدخل الأجنبي أقوى في نظر الشعوب الثائرة حين يكون مقروناً برفض الاستبداد والفساد، فلا يستطيع حينها سماسرة هذا التدخل وأبواقه ومرتزقته استخدام رفض الوطنيين والعروبيين لهذا التدخل من أجل وصمهم بالدفاع عن الديكتاتورية وجرائمها.
كما إن رفض التدخل الأجنبي ليس دفاعاً عن استقلال الأوطان وحريتها وسيادتها وكرامتها فحسب (على أهمية هذا الدفاع طبعاً) بل هو أيضاً مقاومة لجملة مشاريع ينطوي عليها هذا التدخل أبرزها هو تقسيم البلدان، وتفتيت الأوطان، وتمزيق المجتمعات، ومصادرة الثروات، وضمان أمن الكيان الصهيوني بكل ما يحمله هذا الكيان من مخاطر وجرائم وتحديات لأبناء الأمة
إن تاريخنا المعاصر مليء بالأمثلة التي تشي بشرور التدخل الاستعماري لا سيًما على الفئات التي يدعي المتدخلون حمايتها ونصرتها، بدءاً من خداع الإنكليز والفرنسيين للشريف حسين و وعودهم له في دولة عربية موحدة إذا ساعدهم في الإجهاز على الإمبراطورية العثمانية في الوقت الذي كانوا ينجزون معاً معاهدة سايكس - بيكو ويطلقون للصهاينة وعد بلفور، مروراً بخديعة ''الديمقراطية'' التي مرّروا باسمها ضرب أول وحدة مصرية - سورية عام ,1961 ثم خديعة ''التخلّص من تجاوزات الفلسطينيين'' في لبنان عبر الغزو الصهيوني عام 1982 ليقيم العدو احتلالاً وإرهاباً تجاوز العقدين من الزمن، وبخديعة دعم الأفغان للتخلّص من حكم السوفيات عام 1981 لشن الحروب المتوحشة عليهم اليوم، ثم بخديعة ''تخليص'' العراقيين من نظام البعث عبر الغزو العسكري الأمريكي الذي حول العراق إلى جحيم من القتل والدمار والتعذيب والسلب والنهب.
فكيف تجري اليوم ترجمة هذا التدخل الاستعماري سياسياً واقتصادياً ونفطياً، وكيف تتحول الوعود البراقة إلى مجرد خدع دموية متتالية؟..
وكيف يمكن لنا أن نفهم كلام ''الاتحاد الأوروبي'' بعد ساعات على تحرير طرابلس «بالتخطيط لما بعد القذافي''؟..
وكيف يمكن أن نتعامل مع تصريحات لمسؤولين في ''الناتو'' حول استمرار ''عمليات الإشراف العسكرية لمنع تهديد الآمنين'' أو مع تصريحات ''أممية'' أخرى تتحدث عن نشر قوات سلام دولية على الأرض الليبية لمنع تفجّر الأوضاع.
بل كيف نفهم ''غموض الموقف في ليبيا'' الذي تحدث عنه أوباما بعد انتفاضة طرابلس المجيدة إلا كمدخل لتبرير غموض الموقف الأمريكي ''البناء'' الذي فوجئ بانتفاضة طرابلس ويسعى اليوم إلى تدبير الأمر بما يبقي ليبيا أسيرة الاحتراب الداخلي الطويل الذي هو المدخل الطبيعي لاستمرار الابتزاز وإضعاف استقلال ليبيا ونهب مواردها.
في ضوء هذا الموقف، من حقنا ونحن نرى شعب ليبيا ينتصر على نظامه ونحيي شهداءه وتضحياته وبطولات أبنائه، أن ندعوه إلى الانتصار الآخر على المشروع الاستعماري الذي يسعى للتذرع بدعم الشعب الليبي لتحقيق أهدافه المناقضة لمصالح هذا الشعب وكرامته وسيادته، وعلى حساب ثرواته وخيراته، علماً إن حقيقة هذا الدعم الأطلسي نفسها تحتاج إلى نقاش طويل وبعيد عن السطحية والارتجال.
فإذا كان تحرير ليبيا من الطغيان الداخلي هو الجهاد الأصغر، فليكن إسقاط كل أشكال التدخل الاستعماري في ليبيا وخارج ليبيا هو الجهاد الأكبر.
معن بشور