تعرضت جهود السلام في المنطقة الى عدة ضربات قاسية خلال العام الحالي وتراجعت فرص السلام والاستقرار الى مستوى متدنْ نتيجة العناد والاصرار المستمر من الحكومة الاسرائيلية على مواصلة درب الاستيطان والتهويد ورفض الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وما ساعدها في ذلك ايضا هو تخاذل المجتمع الدولي في التدخل الحاسم لفرض الخطوات المطلوبة للسلام والتي حددتها الاتفاقيات المختلفة في المنطقة وخاصة خريطة الطريق. وقد عملت اسرائيل على تقويض كل المصداقية التي حاول الرئيس أوباما بناءها في المنطقة وقد نجحت في ذلك بعد أن أعلنت الادارة الأميركية بشكل واضح قبل ايام عدم قدرتها على "اقناع" اسرائيل بتجميد الاستيطان حتى مقابل حزمة مغرية جدا من الحوافز الأميركية العسكرية منها والسياسية.
وقد تمادت اسرائيل في تحدي المجتمع الدولي وفي هدم أية اسس بسيطة تم بناؤها بصعوبة من أجل تعزيز فرص السلام وتمكنت من خلال اعتداءاتها المستمرة على المقدسات الاسلامية من شحن الأجواء السلبية في المنطقة ومن القضاء فعليا على فرص التفاهم. وفي هذا الوقت لا تزال القيادة الفلسطينية تحاول بصعوبة بناء مقومات الدولة من خلال مشاريع انشاء المدارس والمستشفيات وخدمات التنمية والبنية التحتية وتغيير الوقائع على الأرض نحو تأسيس ملامح لدولة فلسطينية مستقلة بالرغم من حالة الانقسام والتباعد المؤسف مع قطاع غزة. ويمكن لهذا المشروع الفلسطيني الوطني الذي يستحق كل الدعم العربي أن يحقق نجاحا سياسيا وتنمويا كبيرا في الاشهر القادمة لأنه يبقى مستمرا بشكل متوازْ مع مسار المفاوضات وغير مرتبط به.
وقد تميزت الفترة الأخيرة بجهود دبلوماسية مضنية قام بها جلالة الملك عبدالله الثاني في كافة الدول والمنظمات المؤثرة في العالم للابقاء على القضية الفلسطينية كأولوية دولية في مواجهة محاولات اسرائيل تهميش المسألة الفلسطينية والتركيز على قضايا جانبية في المنطقة ، ويعتبر هذا الجهد الدبلوماسي ذا بعد استراتيجي غاية في الأهمية ، لأنه لو بقيت الساحة الدولية متروكة للمؤامرات الاسرائيلية لتمت بالفعل الاستجابة للمخططات الاسرائيلية في غض النظر عن الحقوق الفلسطينية وانهاء الخيار الوحيد المتاح وهو حل الدولتين. وهذا ما يشير الى أهمية الدور الأردني الذي سوف يبقى مستمرا ولكنه يحتاج الى جهود ودعم من المؤسسات العربية والاسلامية والدولية المؤمنة بالحقوق الفلسطينية.
وهنالك ملامح وتوجهات ايجابية في هذا الصدد يمكن البناء عليها ومن ضمنها تنامي الاعتراف الدولي وخاصة في أميركا اللاتينية بالدولة الفلسطينية المستقلة ، وهذا ما يمكن أن يشكل مسارا موازيا آخر لتعزيز الشرعية الدولية للحقوق الفلسطينية وتشجيع المزيد من الدول على اعلان هذا الاعتراف والبناء التدريجي لقاعدة أوسع من الاعتراف العالمي من خلال نشاط سياسي ودبلوماسي فلسطيني مدعوم عربيا بهدف تعزيز انشاء الدولة الفلسطينية افتراضيا ومن ثم رسميا بعد تطوير مؤسساتها وبنيتها التحتية وحمايتها من الاعتداءات الاسرائيلية.
وبالرغم من الظروف الصعبة ، سيبقى الحق الفلسطيني واضحا وابديا ولا يمكن التنازل عنه أو اعادة تعريفه وهنالك عدة خيارات ومسارات يمكن تعزيزها في الفترة القادمة ولكن من المهم أن تتمكن القيادات الفلسطينية من منح شعبها قيمة سياسية استراتيجية وهي وحدة الموقف وايقاف الانقسام الحالي الذي أضر كثيرا بالمواقف الفلسطينية وساهم اضافة الى الحصار الاسرائيلي في تراجع التنمية ونوعية الحياة في غزة ، فالشعب الفلسطيني الذي يخوض يوميا نزالا باسلا ضد الاحتلال ، يستحق أقصى ما يمكن تقديمه من مساندة سياسية واقتصادية وأولاها من القيادات الفلسطينية نفسها من خلال تجاوز خلافاتها والعمل معا لمصلحة هذا الشعب.