وفقا لأرقام البنك الدولي، تبلغ نسبة النمو الاقتصادي في غالبية الدول العربية أكثر من 7% سنويا.. وهي نسبة عالية تعني تنامي الدخل القومي من عدة مصادر. لكن والحال كذلك، لماذا تكابد غالبية الشعوب العربية شظفا معيشيا تتضاعف وطأته عاما بعد عام؟

لأن النسبة الأكبر من الحصيلة السنوية بمليارات النقد الأجنبي، لا تذهب إلى الخزينة الوطنية، وإنما إلى مؤسسات مالية وبنوك غربية لمواصلة سداد ديون خارجية مع فوائدها التي تزيد ولا تنقص. وعليه فإن أي «إصلاح» اقتصادي لن يكون له أي معنى، ما بقي عبء المديونية الخارجية جاثما على بنية الاقتصاد الوطني. من أبرز الدول التي تعاني من هذه الورطة؛ الأردن واليمن والمغرب والجزائر ومصر والسودان. والسؤال الذي يطرح هو: كيف تراكمت هذه الديون أصلا عبر سنين طوال؟

يرجع الأمر إلى السياسة الإقراضية التي تعتمدها المؤسسات المالية والمصرفية الغربية تجاه دول العالم الثالث عموما، فهذه السياسة تهدف عند نهاية المطاف إلى الاستيلاء على شركات القطاع العام في كل دولة. وللوصول إلى هذا الهدف تقضي السياسة الإقراضية الغربية، أولا: أن تكون القروض التي تقدم إلى دولة العالم الثالث محدودة القيمة، بحيث لا تصلح لتمويل مشروعات تنموية ذات عائد يرفد حركة الاقتصاد الوطني، وبالتالي تنحصر فائدتها في استيراد سلع ذات طابع استهلاكي عابر. وثانيا: أن تكون قروضا قصيرة المدى. وثالثا: أن تحمل نسبة فوائد عالية.

ومع ازدياد القروض وفقا لهذه الشروط القاسية، تجد الدولة المقترضة نفسها خلال بضع سنين عاجزة عن مواصلة سداد القروض وفوائدها الباهظة، أي ما يطلق عليه اصطلاحا «خدمة الديون».

من هنا، ومع وطأة الضغوط التي يمارسها الدائنون على حكومة عالم ثالث، تضطر الحكومة إلى بيع الاقتصاد الوطني وفق برامج متتالية لتفكيك القطاع العام؛ أي خصخصة شركات القطاع. والمشترون هم في العادة شركات غربية أو وكلاؤها المحليون.

هذا ضرب من الاستعمار الاقتصادي الحديث، فالنتيجة النهائية هي تصفية سيطرة الدولة على حركة الاقتصاد الوطني. وبطبيعة الحال يقتضي تطبيق هذا المخطط، أن يكون النظام الحاكم في الدولة المدنية، على علاقة تواطئية مع المؤسسات الغربية الدائنة والشركات الغربية الكبرى عموما. فالدور المسنود إلى النظام لا يتوقف عند مساهمته في إنجاز تفكيك القطاع العام، وإنما يمتد ليشمل قمع الفئات الشعبية عندما ينتشر التذمر ويتصاعد.

إن خصخصة بنية الاقتصاد الوطني التي يفرضها الغرب على دول العالم الثالث باسم مبدأ أو فلسفة «اقتصاد السوق الحر»، تجعل النظام الحاكم بلا حول ولا قوة في مجال ضبط حركة الاقتصاد الوطني، و«تحرره» من مسؤوليته حتى في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية، كالصحة والتعليم، بحيث لا يعود العلاج الطبي الضروري أو الحصول على فرص تعليم ذي نوعية، متاحا إلا على أساس القدرة المالية، لا على أساس الاحتياج الحقيقي في حالات المرض أو التفوق في التعليم.

على هذا الأساس ينقسم المجتمع في الدولة العالمثالثية إلى فئتين: أغلبية عظمى تزداد فقرا على فقر من ناحية، وشريحة طبقية صغيرة من مليونيرات ومليارديرات تتشكل من أولئك المستفيدين من حصيلة الخصخصة. وكما رأينا في دول عربية متعددة، فإن واجب جهاز السلطة الحاكمة ينحصر في أمرين: أولا؛ سن التشريعات القانونية وابتداع التسهيلات اللازمة لضمان تنمية مصالح أفراد وجماعات الشريحة الاجتماعية بالغة الثراء.

ثانيا؛ القمع المنهجي المنظم لحركات الاحتجاج الشعبي الناشئ عن استمرار واتساع الفجوة بين هذه الشريحة وبقية المجتمع.

بالطبع لا يجوز إصدار حكم على مبدأ اقتصاد السوق الحر بأنه باطل جملة وتفصيلا، لكن يمكن القول دون شك انه غير صالح للتطبيق في بلدان متخلفة لا تزال تتلمس طريقها إلى التنمية. ففي مثل هذه الحال من المستحيل دفع البلاد إلى ما يسمى مرحلة «الإقلاع الاقتصادي»، دون وجود سلطة مركزية قوية تضطلع بواجب برمجة حركة الاقتصاد، وفق تخطيط مدروس على المستوى القومي.

هذا فعلته وتفعله الهند والصين مثلا. فلولا السيطرة التخطيطية المركزية المبرمجة بعناية ومسؤولية وطنية، لما تسنى للهند أن ترتقي من مرحلة التخلف الشامل إلى مرتبة «الاقتصادات الناهضة» في عالم اليوم.. ولما تسنى للصين ذات الحجم السكاني البالغ 1200 مليون نسمة، أن ترتقي من مرتبة الدول المتخلفة إلى مرتبة ثاني اقتصاد في العالم، يتهدد الآن الولايات المتحدة بأن يأخذ مكانها خلال نحو عقدين قادمين أو أقل ليكون الاقتصاد العالمي الأعظم.

في الماضي استطاعت شعوب العالم العربي أن تتحرر من استعمار أوروبي احتلالي، ولكن سرعان ما اندفعت الولايات المتحدة لتشغل الفراغ الذي خلفه جلاء الإدارات الاستعمارية البريطانية والفرنسية.. وبذلك دخلنا عصرا جديدا؛ عصر الاستعمار الأميركي الاقتصادي غير المباشر. ويبدو أننا بحاجة إلى مرحلة تحررية جديدة.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae