بعد أن جمدت الحكومة الاسرائيلية انفراديا المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، من خلال رفضها تجميد النشاطات الاستيطانية التوسعية وغير المشروعة في الضفة الغربية، تتعمده الحكومة إغلاق كل الطرق التي تعتقد أن الفلسطينيين سيسلكونها للتوصل إلى الحد الأدنى من مطالبهم المشروعة- وتحديدا إقامة ادولة الفلسطينية ضمن حدود ١٩٦٧، بما في ذلك القدس الشرقية الفلسطينية، مع تفكيك كل المستوطنات المقامة رغما عن إرادة الشعب الفلسطيني، وتحديا لقرارات الشرعية الدولية التي أكدت على أن الاستيطان هو العقبة الرئيسة أمام السلام العادل.

اسرائيل نفسها قامت استنادا إلى قرار التقسيم لعام ١٩٤٧، ونتيجة لاعتراف أغلبية من الدول الأعضاء آنذاك في الأمم المتحدة بها.

وكان من المفروض أن تقام بجانبها دولة عربية فلسطينية، وكان اعتراف دول العالم بالدولة الفلسطينية آنذاك- لو أنها قامت- تحصيل حاصل وأمرا بديهيا.

وبالتالي فإن الاعتراف بهذه الدولة في أي وقت، وحتى بعد ثلاثة وستين عاما من قرار التقسيم، هو التطور الطبيعي، والنتيجة المنطقية، لقرار التقسيم الذي يعتبر بمثابة شهادة الميلاد الدولية لاسرائيل كذلك.

وبعد اعتراف عدد من دول أميركا اللاتينية بالدولة الفلسطينية في حدود العام ١٩٦٧، وجهت الحكومة الاسرائيلية انتقادات شديدة لتلك الدول، تحت ذريعة أن هذ الاعترافات خارجة عن عملية السلام- وفقا للادعاءات الاسرائيلية.

والحكومة الاسرائيلية تنسى، أو تتناسى عمدا، أنها هي التي علقت مفاوضات السلام من جهة، كما أنها، من الجهة الأخرى، ترفض بحث كل القضايا المحورية مثل الحدود واللاجئين وقضية القدس والمستوطنات.

فما الذى أفرزته محادثات السلام، بعد حوالي عقدين من الزمن، سوى تشديد قبضة الاحتلال وتكثيف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

والأغرب من ذلك أن الحكومة الاسرائيلية- وفقا لتقارير الأنباء- تريد الالتفاف على النوايا التي أعلنتها دول أوروبية لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في عواصمها. وهذا تدخل سافر في الشؤون الداخلية لهذه الدول، كما أنه استهانة واستخفاف بالحقوق الوطنية الفلسطينية في السيادة وتقرير المصير.

هذا الموقف الاسرائيلي لا يتناقض فقط مع أبسط المبادىء الدولية في حقوق الشعوب، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب الأخرى، بل هو متناقض تماما حتى مع تطورات قيام اسرائيل نفسها، واعتراف بعض الدول بها في حينه. فلماذا يعتبر اعتراف الدول باسرائيل أمرا جديرا بالمدح والثناء، في حين أن اعتراف الدول بفلسطين التي كانت مقترنة باسرائيل في قرار التقسيم تصرفا يستحق الانتقاد؟

ثم ما هو المبرر لانتقاد رفع دول زوروبية درجة التمثيل الدبلوماسي في عواصمها؟ أليست هذه الدول ذات سيادة وتتحمل المسؤولية عن قراراتها؟

وهل أصبحت الحكومة الاسرائيلية وصية على تلك الدول، بحيث تملك حق مراجعة قراراتها والاعتراض على ما تقوم به من خطوات دبلوماسية أو غير دبلوماسية؟

الهدف وراء الموقف الاسرائيلي، غير المفهوم في ظاهره، هو إبقاء الوضع الاحتلالي الاستيطاني على حاله، وتسديد الضربة القاضية لما تسمى بعملية السلام، لإتاحة الوقت لتهويد المناطق لفلسطينية المحتلة.

وما يترتب على هذا الموقف هو ضرورة تحرك الأسرة الدولية للضغط من أجل إنهاء الاحتلال والاستيطان، اللذين سجلا رقما قياسيا في طولهما وشدة معاناة الشعب الفلسطيني منهما.

ومن المؤكد أن لدى المجتمع الدولي الكثير من الوسائل لتحقيق هذا الهدف. والسؤال هو :متى يتحرك العالم، وكيف سيتحرك؟