عندما زار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أفغانستان، أخيراً، عاد بتفاؤل متحفظ. فقد تحدث عن إحراز تقدم مطّرد في ولاية هلمند، وأشار إلى إمكانية أن تبدأ القوات القتالية البريطانية بتقليص وجودها في وقت مبكر من العام المقبل، مع انسحاب كامل يتواصل حتى عام 2015.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أجرى الرئيس الأميركي باراك أوباما مراجعة للإستراتيجية الأميركية في أفغانستان. وتشير الإستراتيجية إلى «المكاسب التكتيكية» في قندهار وهلمند، بعد وصول المزيد من القوات وتطبيق أساليب أشد عنفاً منذ فصل الخريف.

في الأيام الأخيرة، رغم ذلك، تلقى أعضاء الكونغرس الأميركي تقارير استخبارية رسمية بشأن كل من أفغانستان وباكستان، ترسم صورة مختلفة إلى حد كبير، وأكثر قتامة.

إن تردد باكستان، أو عجزها عن إغلاق ملاذات المسلحين في المنطقة القبلية التابعة لها، حسبما تشير هذه التقارير، يعني أن القوات الغربية يمكن ألا يكون أمامها سوى فرصة محدودة للنجاح.

وفي ظل ترك الحدود مفتوحة بشكل أساسي، فإن المسلحين يتحركون بحرية انطلاقاً من باكستان، ويزرعون القنابل ويلحقون التخريب بالقوات الأميركية، ثم يفرون إلى باكستان للحصول على الملاذ والإمدادات الجديدة. وما يعنيه هذا السيناريو، رغم أن هذا لا يتم الإفصاح عنه، هو أن الحرب في أفغانستان تستعصي على الإنهاء.

والآن يكاد يكون من غير المألوف أن تتضارب تقييمات استخباراتية وعسكرية متباينة. تميل أجهزة الاستخبارات إلى النظر في الجانب المظلم، في حين إن المؤسسة العسكرية، ليس فقط في الولايات المتحدة، أفضل ما تشتهر به هو التفاؤل. وهذا الاختلاف ليس بالأمر السيئ.

لا بد أن يتمتع الرئيس ومساعدوه من صناع القرار بالاستفادة من الأحكام التي تعكس اطلاعاً بقدر المستطاع. وعندما يتوقف عدم التجانس ويتم تثبيت منظور واحد، فإن أكبر الأخطاء تميل للحدوث، والعراق وأسلحته غير الموجودة يقدمان مثالا نموذجيا في هذا الصدد.

إن مثل هذه الانقسامات العامة، رغم ذلك، تنطوي على أخطار. خلال ما يقرب من عامين في منصبه، اكتسب أوباما شيئا من سمعة التراجع «المهني».

والاستعراض المبدئي الذي قام به بخصوص أفغانستان، امتد لعدة أشهر قبل التوصل إلى قرار بالتسوية ينتمي إلى الحلول الوسط، ونشبت خلافات جوهرية خطيرة على الملأ. ولم يكن هذا لصالح أي من رئاسة أوباما أو لوضع الولايات المتحدة في أفغانستان، حيث أوحى بالضعف، سواء أكان ذلك على نحو منصف أم لم يكن.

ولكن مشكلات أوباما لم تكن جميعها من صنعه، حيث خضع لسلسلة من سوء الحظ الشديد. فقد عانى قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال بترايوس، من نوبة اعتلال صحية في الوقت ذاته الذي كان أوباما في أمس الحاجة لعرض قوي لسياساته.

وبعد ذلك، أظهر قائد القوات الأميركية في ذلك الوقت، الجنرال ماكريستال، حالة مذهلة من الافتقار للحرص والحذر في انتقاد رؤسائه السياسيين، الأمر الذي أفضى إلى اقالته بعد فترة وجيزة. الآن، مع الموت المفاجئ لريتشارد هولبروك، فقد أوباما مبعوثه الخاص إلى أفغانستان وباكستان ومستشاراً رئيسياً. ي

مكن القول إن هولبروك قد تم تهميشه إلى حد ما، في الوقت الذي جاء الجيش ووزارة الخارجية على نحو متزايد إلى الواجهة. ومع امتلاكه توليفة خاصة من الصرامة والدهاء، وسجله الحافل بمهام غاية في الصعوبة، فإن هولبروك ليس من السهل أن يحل محله أحد.

وكانت الميزة الرئيسية التي حظي بها، هي الخصلة نفسها التي جعلته لا يحظى بشعبية في العديد من الدوائر: جاهزيته الخادعة لقول الحقيقة غير المستساغة للسلطة.

من خلال تعيينه هولبروك مبعوثا خاصا له في أفغانستان وباكستان، أظهر أوباما تقديرا مبكراً للترابط الداخلي الذي يجعل من أي شيء يقارب النصر في أفغانستان أمراً مراوغاً. ولكن بعد عامين تقريبا من الاستراتيجيات المنقحة باستمرار، وفقدان الحكمة المتراكمة لهولبروك الآن، فإن مهمة أوباما تبدو صعبة كعهدها أبداً.