ما زالت الأخبار تتردد حول تحسن العلاقات بين روسيا وحلف الناتو، وعن مشاريع العمل المشترك المطروحة بينهما، وعن إزالة كل الهواجس والمخاوف لدى الطرفين تجاه بعضهما، وزادت هذه الموجة المتفائلة بعد القمة الأخيرة التي انعقدت بين الطرفين في بروكسل.
والتي خرجت الأخبار بعدها تتحدث عن مستوى نجاح المباحثات بينهما، لدرجة أن البعض كتب يقول انه لم يبق سوى أن تنضم روسيا لعضوية حلف الناتو.
وفجأة تظهر المعلومات التي يطرحها موقع ويكيليكس عن أسرار تعاملات الدبلوماسية الأميركية، وهي المعلومات التي لا يمكن تجاهلها، خاصة وأن الجهات التي تنسب إليها هذه المعلومات والتصريحات لا تنكرها.
حيث تقول إحدى هذه الوثائق ان «مخططات حلف الناتو الرامية إلى الدفاع عن دول البلطيق وبولندا في وجه عدوان محتمل من جانب روسيا، تثير حيرة في موسكو».
وقد نشر موقع «ويكيليكس» معلومات تفيد ان مثل هذه المخططات تم إعدادها العام الجاري 2010، وهو العام الذي شهد التحسن الملحوظ في العلاقات بين روسيا وحلف الناتو.
وصرح مصدر في الخارجية الروسية قائلاً: «تثير مقالات كهذه أسئلة كثيرة وحيرة، علماً أن قمة «روسيا ـ الناتو» الأخيرة تبنت بياناً مشتركاً جاء فيه أن أمن روسيا وأمن الناتو مترابطان. وتلتزم الأعضاء في مجلس روسيا ـ الناتو بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستعمالها في علاقات الطرفين».
الحقائق الواضحة على الساحة تدل على أن روسيا الاتحادية لا توسع وجودها العسكري بالقرب من حدود الدول المذكورة، بل تقوم بالتقليص المنتظم للأسلحة الثقيلة في مقاطعة كاليننغراد، وتتخذ خطوات لتقليص القدرة العسكرية في الحدود الغربية تجاه أوروبا.
الغريب في الأمر أن مقاتلات حلف الناتو تقوم بدوريات في أجواء دول البلطيق المجاورة لروسيا، بدلاً من أن تقوم بتطوير قدرات هذه الدول للرد على أخطار حقيقية، وبالدرجة الأولى تلك التي يمكن أن يوجهها الإرهابيون من الجو، وليست الأخطار الوهمية.
وكانت صحيفة «الغارديان» البريطانية قد أفادت، نقلاً عن التسريبات الأخيرة للمراسلات الأميركية الدبلوماسية الواردة في موقع «ويكيليكس»، أن الناتو قام في يناير الماضي بإعداد خطة حماية لدول البلطيق وبولندا، ضد عدوان محتمل من جانب روسيا.
وأفادت رسالة سرية وجهتها البعثة الأميركية لدى الناتو في بروكسل بصورة خاصة، بأن قائد قوات الحلف في أوروبا جيمس ستافريديس، اقترح توسيع خطة حماية بولندا ولتوانيا ولاتفيا واستونيا.
وتقضي الخطة بأنه في حال وقوع اعتداء مسلح من جانب روسيا، سيتم دفع 9 فرق من الناتو وبريطانيا وألمانيا وبولندا إلى تلك الدول. ولدى ذلك يتعين على موانئ شمال بولندا استقبال مشاة البحرية والسفن البحرية الأميركية والبريطانية.
وتفيد الوثائق المتسربة أن الولايات المتحدة اقترحت أثناء محادثات أجرتها مع وارسو، تقوية دفاعات بولندا في وجه روسيا، وذلك عن طريق نشر القوات البحرية الخاصة في ميناءي غدانسك وغدينيا في بحر البلطيق، ونقل أسراب المقاتلات «اف ؟ 16» وطائرات النقل العسكري «اس ؟ 130 - غيركوليس» من ألمانيا.
وتنص الوثائق أيضاً أن على نشر بطاريات صواريخ «باتريوت» في مدينة مورونغه البولندية، التي تبعد 40 كيلومتراً عن حدود مقاطعة كاليننغراد الروسية، يحمل مجرد طابع رمزي.
وزارة الخارجية الأميركية أعربت عن مخاوفها من أن نشر معلومات تكشف عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة، قد يتسبب في تعقيدات غير مبررة في العلاقات بين موسكو وواشنطن، وربما هذا ما دعا الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، في تعليقه على ما نشره موقع ويكيليكس، إلى أن يوجه انتقادات بألفاظ حادة للدبلوماسية الأميركية، واصفاً إياها بالانحطاط.
وقد صرح مصدر عسكري روسي لوكالة «انترفاكس» قائلاً «إن موسكو لم تفاجأ بخبر إعداد وثيقة عسكرية استراتيجية من شأنها التحضير للقيام بعمليات حربية ضد روسيا في منطقة البلطيق، ومثل هذه العمليات الاستراتيجية الرامية إلى محاصرة القوات الروسية المرابطة في مقاطعة كاليننغراد وتقسيمها وتدميرها، قد وضعها الناتو منذ 5 ؟ 6 أعوام».
لا ترى روسيا شيئاً جديداً في المعلومات التي نشرها موقع «ويكيليكس» بشأن خطط حلف شمال الأطلسي، الرامية إلى حماية كل من بولندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا من العدوان المحتمل من جانب روسيا، فهو أمر معروف لدى موسكو منذ سنوات مضت، ولكن نشره الآن في هذا التوقيت يستوجب من موسكو أن ترد عليه.
وعلى ما يبدو فإن نشر هذه الوثائق قد أربك قيادة حلف الناتو، وأوقعها في حرج شديد أمام روسيا التي تسعى لتحسين العلاقات معها بشتى الوسائل.
مما اضطر قيادة الحلف للتعليق على هذه الوثائق، فقد صرحت أونا لونغيسكو الناطقة الرسمية باسم حلف شمال الأطلسي يوم 7 ديسمبر لوكالة «انترفاكس» الروسية، أن «الناتو كان ولا يزال يضع خطط حماية حلفائه.
لكنه لا يصف روسيا بكونها دولة تشكل خطراً على أمنه». وقالت معلقة على نبأ إعداد خطة الدفاع عن دول البلطيق وبولندا من عدوان محتمل من جانب روسيا: «تنحصر سياسة الناتو في أنه لا يناقش مضمون وثائقه السرية التي تخص الخطط الدفاعية.
وكان الناتو ولا يزال يمتلك خططاً خاصة بالدفاع عن حلفائه، علماً أن هذا الأمر يعد جوهراً لمهامنا الخاصة بتأمين الدفاع المشترك، ولكن هذه الخطط لا تعكس بأي شكل من الأشكال سياسة الحلف وتوجهاته الخارجية».
كاتب أوكراني
vladi1949@mail.ru