على امتداد الشهور الماضية، لم تغب عني ملامح الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر، فقد كنت أحاول أن أدفع إلى القارئ العربي بكتاب الباحثة البريطانية لورا جيمس بعنوان «ناصر محارباً».

الذي يتناول المعارك التي خاضها والظروف الموضوعية التي أحاطت بها، والجهود المضنية التي بذلها، في غمارها وأوجه التوفيق والسداد من عدمها في القرارات التي اتخذها.

ربما كان في مقدمة أسباب اهتمامي وغيري بهذا الكتاب هو سؤال مؤرق، أحسب أنه طالما شغل بال كل من قدر لهم الاشتراك في حرب أكتوبر: كيف يمكن أن تكون هذه الحرب لو أن القدر لم يشأ للزعيم الخالد أن يرحل عن دنيا الناس الفانين قبل نشوبها وهل كانت ستعكس نهايتها ذلك الاختلال المروع بين الأداء العسكري العربي فيها والثمار السياسية التي خرج بها العرب منها؟

لم أستطع قط فهم اعتذار جهات لا ينقصها الحس القومي عن عدم نشر هذا الكتاب، ومازلت أجد مواقفها غير مفهومة وغير مبررة بأي حال، فمن المؤكد أن من حق الأجيال العربية الشابة أن تعرف المزيد عن عبدالناصر وعن نضاله.

غير أنني ما كان يمكن إلا أن أخرج من هذا كله بشعور عاصف بالغضب، لا شك في أنه هو نفسه الذي استبد بالكثيرين على امتداد العالم العربي، سواء من النخبة أو من المنتمين إلى الشارع السياسي العربي، إزاء تطور مذهل يتعلق بالزعيم الراحل.

كان أول الغاضبين هو رجل الشارع البسيط، الذي لا يمر بمسجد عبدالناصر في شرق القاهرة، إلا رفع الأكف مترحماً على الرجل، وداعياً له بالرحمة، رغم أنه قد لا تكون له علاقة بالسياسة، من قريب أو بعيد، اللهم إلا حرصه على أن يبتعد الساسة عن لقمة خبز صغاره.

والحكاية أنه لم يعد سراً أن شمس بدران، وزير الحربية وقت وقوع هزيمة يونيو 1967، والذي حوكم مع 55 مسؤولاً غيره باعتبارهم من تمتد إليهم أصابع الاتهام بالمسؤولية عن هذه الهزيمة الفاجعة ومحاولة قلب نظام الحكم في مصر باستخدام القوة العسكرية في أعقابها.

قد أطل بعد صمت دام كل هذه العقود، ليتقدم بمذكراته، ويتطرق فيها إلى الحياة الخاصة للزعيم الراحل ولعدد من كبار العسكريين المصريين، ومنهم رئيس الأركان المصري الأسبق الشهيد عبدالمنعم رياض ووزير الدفاع المصري الأسبق محمد فوزي.

التفاصيل التي تسربت عن المذكرات توحي بأن الرجل الذي وصف بأنه «وجه النكسة الكئيب» أفحش في القول على الزعيم الراحل والتطرق إلى حياته الخاصة بما لا يليق.

المذهل في الأمر حقاً ما أشارت إليه المصادر من أن صحيفة «الأهرام» العريقة هي التي بادرت إلى دعوة شمس بدران إلى كتابة مذكراته، وشجعته على نشرها، وهو النشر الذي حالت دونه «جهات سيادية»، مما أحال المشروع إلى إحدى الفضائيات المصرية، التي بادر مالكها إلى التنصل من المسألة برمتها.

ومن حق الملايين العربية أن تغضب لهذا التردي ومحاولة المساس بسيرة رجل كان بالنسبة لهم مرادفاً لأيام الشموخ، وأن تصر على ضرورة معرفة حقيقة ما يجري في هذه المسألة برمتها ومحاسبة المسؤولين عن هذا النثار الوضيع من التردي، الذي يحاول الإساءة إلى رمز من رموز الشموخ العربية، يتحدى النسيان.

لقد قيل إن شمس بدران قد سجل 36 ساعة من الأسرار والاعترافات، وكأنه يضن على من عرفوا هذه الفترة من التاريخ العربي بأن ينسوا ما شاع فيها من هزائم وانكسارات.

ولكن أن يطلق الرجل لسانه، انتقاماً من أربعين عاماً من الصمت شيء، وأن يطلق جحيماً من الأكاذيب والافتراءات على قادة مصر ورموز شموخها شيء آخر، شيء من المحقق أن رد فعل الشعب المصري، والعربي بعامة، حياله سيكون رهيباً، بعد هذه النوعية من الشخصيات التي قدر لها النفاذ إلى الحياة العامة لتعمل فيها الفساد تعود إلى جحورها وأوكارها، وتلزم صمتاً هو أوجب واجباتها.