لم يكن غريباً أن يطلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، من وزراء التربية والتعليم في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن يتخذوا التوصيات والقرارات البناءة والموحدة التي تسهم في الارتقاء بمسيرة التربية والتعليم في دول المجلس، والعمل على تحديث أساليب ومخرجات التعليم، وإعداد الخطط العلمية والدراسات الخاصة بتحقيق جودة التعليم وتنويعه، بحيث يلبي حاجات المجتمع ومتطلبات التنمية المستدامة.

فهذه الدعوة التي وجهها سموه إلى الوزراء الذين اجتمعوا الأسبوع الماضي في أبوظبي، ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة التي تصدر من سموه، لإدراكه أهمية التعليم والدور المناط به في عملية التنمية البشرية، ليس في دول المجلس فقط، وإنما في جميع الدول على اختلاف مستوياتها وإمكاناتها المادية والبشرية.

القرارات التي خرج بها المؤتمر العام الحادي والعشرون لوزراء التربية والتعليم في الدول الأعضاء في مكتب التربية العربي لدول الخليج، كما قرأناها في خبر الختام، لا تزال دون الطموح والمستوى الذي يتطلع إليه المواطن الخليجي والعربي بشكل عام، لأنها راوحت بين برقيات الشكر البروتوكولية والإشادات التقليدية، والتوصيات النمطية التي لم تخرج عن بعض القضايا التي نعتقد أنها قد طُرحت على طاولة الاجتماعات السابقة وستُطرح على طاولة الاجتماعات اللاحقة.

وقد ناقشها الوزراء السابقون وسيناقشها الوزراء اللاحقون، كما هي العادة في كل اجتماعاتنا العربية التي تؤول توصياتها إلى الحفظ في الملفات، ثم تُعدَم بعد أن يتقادم عليها الزمن ويتراكم فوقها الغبار، ويذهب وزراء ويأتي وزراء، ويبقى الحال على ما هو عليه. ما يحتاجه التعليم في وطننا العربي، هو ثورة تطيح بكل الأفكار والأساليب التقليدية التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها تجارب الدول التي سبقتنا إلى النهضة، وكانت وسيلتها إلى ذلك إصلاح التعليم قبل استنهاض الشعوب، ثورة تنقل الطالب العربي إلى أجواء الألفية الثالثة التي دخلتها بلدان وظلت بلدان تعيش أجواء القرون الوسطى بكل ما فيها من جهل وتخلف، ثورة تقودنا إلى إلى إنفاق على التعليم يوازي الإنفاق على جوانب أخرى ليست لها أهمية التعليم الذي يراوح مكانه منذ عقود.

إن ما ينفق على التعليم في بلداننا العربية، وفق ما جاء في التقرير الثاني للتنمية الثقافية الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي، مخجل بكل المقاييس ولا يمكن أن يحقق الجودة التعليمية المنشودة، فقد أشار التقرير إلى أن الإنفاق الحكومي السنوي على الطالب الجامعي، لا يتجاوز 800 دولار في كل من مصر والأردن وسوريا والمغرب، ويصل إلى نحو 1800 دولار في لبنان وتونس، ويبلغ 8000 دولار في السعودية، في حين يصل في كل من إسرائيل وفرنسا إلى أكثر من 10000 دولار، وفي الولايات المتحدة الأميركية 22000 دولار.

الأمر الذي يظهر التفاوت الكبير بين ما ينفق على التعليم لدينا وما ينفق عليه في دولة نعتبرها عدوة تقع في محيطنا، هي إسرائيل التي تحاربنا بالعلم أكثر مما تحاربنا بالدبابات والطائرات وراجمات الصواريخ. كما يلفت النظر في التقرير أيضا حجم الإنفاق على البحوث في جامعاتنا العربية، حيث يبدو التفاوت شاسعا بين دولة عربية وأخرى، بقدر ما يبدو التناقض أحيانا بين دول ذات معدل إنفاق عالٍ على الطالب الجامعي، لكن نسبة مخصصات البحوث إلى الموازنة فيها متدنية.

وفي ضوء هذه الأرقام والحقائق يبرز سؤال مهم حول دور المجتمع في دعم التعليم، وهو الدور الذي يجب أن يضطلع به رجال الأعمال من باب المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن يتحملوها، حيث يكاد هذا الدور يغيب تماما في بلداننا العربية، مع أنه يسهم بشكل كبير في تحقيق أعلى مستويات الجودة التعليمية في دول أكثر تقدما وغنى منا، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا وتركيا، حيث تمثل «الوقفيات» التعليمية رافدا مهما ورئيسا من روافد الإنفاق على التعليم، رغم أن ديننا الحنيف يحث على مبدأ «الوقف» ويدعو إليه في أكثر من موقع.

ولا يحصره في بناء المساجد وحفر الآبار وكفالة الأيتام، كما نشاهد في المطبوعات التي توزعها الجمعيات الخيرية على أبواب المساجد وفي مداخل الجمعيات التعاونية والمراكز التجارية، الأمر الذي يعني أن هناك نقصا في الوعي بأهمية الإنفاق على التعليم الذي نلقي بكل عبئه على الحكومات، ثم نأخذ في الشكوى من تدني مستوى التعليم وضعف مخرجاته، متناسين أن هناك دورا غائبا يجب أن يلعبه رجال الأعمال، لأن الارتقاء بقطاع التعليم سينعكس بشكل إيجابي على قطاع الأعمال الذي يزدهر في مناخ تعليمي جيد، أكثر مما ينمو في مناخ تعليمي رديء لن يرفد هذا القطاع إلا بعمالة أقل كفاءة وقدرة على الإنتاج إن لم تكن رديئة.

إن نظرة فاحصة لتجارب الشعوب التي نهضت وتقدمت، تقودنا إلى أن سر نهضة هذه الشعوب هو الاهتمام بالتعليم أولا، ف(جواهر لال نهرو) الذي يُعَدُّ أحد أركان حركة الاستقلال في الهند وأول رئيس وزراء لها بعد نيلها استقلالها، كان أول ما بادر إلى عمله بعد الاستقلال هو الاهتمام بالتعليم وتأسيس العديد من المنشآت العلمية، مثل مؤسسة الهند للعلوم الطبية والمؤسسة الهندية للتكنولوجيا.

وبفضل هذه المؤسسات دخلت الهند نادي الطاقة النووية، وأصبحت واحدة من أكثر دول العالم تقدما في مجال التكنولوجيا، إلى الدرجة التي أصبحت معها تشكل تهديدا علميا واقتصاديا لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية باعتراف رئيسها مؤخرا.

ولا يخفى على أحد ما فعله رئيس الوزراء الماليزي السابق «مهاتير محمد»، الذي نقل بلده خلال عقدين من الزمان فقط، من دولة تعتمد على الزراعة والصيد إلى بلد صناعي أصبح يحتل مرتبة متقدمة بين الدول الصناعية الكبرى، وكان سر هذه النقلة هو الاهتمام بالتعليم أولا وثانيا وعاشرا.

لا نعتقد أننا بحاجة إلى اجتماعات بروتوكولية قدر حاجتنا إلى ثورة شاملة في التعليم، تنقلنا من عصر الحفظ والتلقين إلى عصر التفكير والابتكار والإبداع. عندها فقط نستطيع أن نقول إننا قد خطونا خطوة نحو جودة التعليم التي نبحث عنها ونتطلع إليها.