من يقف قليلاً أمام الطريق المسدود محاولاً المرور من خلاله وهميا، هو من يخرج بطروحات «دونكيشوتية»، من مثل حل السلطة الوطنية الفلسطينية، واللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة.

وما دفع إلى مثل هذه الطروحات، هو تلك القناعة التي ترسخت حتى لدى صانع القرار في السلطة الفلسطينية، بشأن استحالة جنوح إسرائيل للسلم في هذا التوقيت المريح جدا بالنسبة لها، إذ لا أخطار تجبرها على التقهقر الأيديولوجي، ولا ضغوط أميركية من قبل إدارة باراك أوباما، التي أساءت تقدير قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل، بعد نتائج فقيرة جدا للحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأخيرة.

في مقابل الاسترخاء الإسرائيلي هذا تجاه المفاوضات، توجد هناك حالة استمراء داخلي فلسطيني للانقسام الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، كل في منطقته أيضا لا يشعر بخطورة هذا الشق، في ظل حرص القطاع على بقاء الوضع على ما هو عليه خدمة لأغراض جهوية. هذا بالتأكيد يسقط أحد أهم أدوات الصراع منذ نشأته: العامل الجماهيري.

في الانتفاضة الثانية فطن الفلسطينيون متأخرا إلى الشرك الذي نصبه الإسرائيليون لهم، أي جرهم إلى المواجهة المسلحة، فبدت للمجتمع الدولي كأنها معركة بين جيشين، استغلها الاحتلال لتدمير كل مكتسبات السلطة الوطنية الفلسطينية ما بعد اتفاق أوسلو.. وتذكروا مآثر انتفاضة العام 1987 التي امتازت بطابعها الجماهيري الأشبه بالعصيان المدني، والتي ألّبت العالم أجمع ضد إسرائيل وغيرت الصورة النمطية عن الضحية اليهودي المتحضر بين محيط همجي، بان العكس إبانها وتوضحت هوية الضحية.

أما الآن، فالجماهير هذه التي لطالما عانت وضحت وقامت مجددا ك«طائر العنقاء» من المجازر، وتجاوزت كل التناقضات للإبقاء على قضيتها حية في كل الشاشات، غامت لديها الصورة وتباعدت في فضائها الخطط والاستراتيجيات، وباتت حركتها مقيدة بالتوجس والسؤال: لمصلحة من نقدم المزيد من الشهداء؟ وعليه فإن الوضع الفلسطيني يبدو عاجزا تماما، وبلا حول، وهو ما أنبت الطروحات الآنفة.

ما معنى الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية؟ في العام 1988 عندما أعلن الزعيم الراحل ياسر عرفات الاستقلال، سارع أكثر من مئة دولة إلى الاعتراف بالدولة الوليدة تحت الاحتلال، وبقيت محتلة حتى اللحظة، رغم وجود المئات من مكاتب التمثيل والسفارات والقنصليات في غالبية بقاع الأرض، فماذا لو أعلنت الدولة مجددا؟ لا فرق إطلاقا سوى المعضلة الجوهرية في الصراع: الراعي الأميركي. هذه المرة يكون الإعلان عبر مجلس الأمن الدولي، وإذا ما جاور الفلسطينيين الحظ الإعجازي، سيكون الإعلان تحت الفصل السابع الإلزامي، فهل تقبل واشنطن؟ لو كانت أصلا مهيأة لهذه الخطوة، لألزمت إسرائيل بتجميد الاستيطان الذي ينخر معظم الدولة قبل ولادتها.

وماذا عن حل السلطة الفلسطينية؟ هنا يدخل أكثر من عامل معا:

أولا: الحياة الفلسطينية نفسها التي اعتادت بعض ممارسات الدولة، كجواز السفر والجمارك ورواتب الموظفين وغيرها، هذه قد تترك المجتمع الفلسطيني نثارا حال إلغائها الفجائي.

ثانيا: الوضع العربي؛ الآن، هناك عنوان واضح للشعب الفلسطيني، فهل الأنظمة العربية مستعدة لعودة تفتيت هذا العنوان في عناوين كثيرة موزعة بين العواصم والنزاعات البينية، وعودة النفس الأبوي والاستئثاري بالقضية المركزية؟

ثالثا: الوضع الدولي العاجز عن امتلاك أي حافز للتحرك حال تم هذا الحل.

هذه الحلول لن تكون وهما إن اتحد الفلسطينيون مجددا، وردوا القرار إلى الجماهير حاملة الرسالة.