باتت معظم الإدارات في المؤسسات الرسمية تُدار إما بالإنابة أو بالتكليف أو بالوكالة، ويندر جداً ان يجد المواطن موقعاً إدارياً رسمياً ما زال مملوءاً بالأصالة. مسألة الشغور سابقة لهذا العهد، وحين بدأ قيل ان الملف الإداري سيُفتَح على مصراعيه بعد الإنتخابات النيابية مباشرة، مرَّ عامان على هذه الإنتخابات ولم يُفتَح هذا الملف، ولأن بتَّه لا يتم إلا عبر مجلس الوزراء، فإن هذا الملف سيبقى مقفلاً حتى إشعار آخر لأن أبواب مجلس الوزراء عادت لتُقفَل حتى إشعار آخر.
اذا الملف الإداري هو العنوان الأول للشلل والتعطيل لكنه ليس العنوان الوحيد فهناك ملفات كثيرة باتت تحمل الصفة ذاتها، فحين يشغر موقع يُدرك الجميع انه لن يُملأ في المدى المنظور، هكذا حدث حين قدَّم رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير استقالته، وهكذا حصل حين أحيل اللواء وفيق جزيني إلى التقاعد، والأمر عينه حصل حين أُحيل معظم أعضاء مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي إلى التقاعد.
إذا، الفراغ معمم، فإلى أين تسير الجمهورية؟
لعله السؤال الأكثر صعوبةً لإيجاد الجواب، فالمنطق يقول اننا كنا نعيش في بلد مكتمل المؤسسات بعد سنوات من التعطيل والفراغ والحروب:
عهدٌ جديد وحكومة جديدة ومجلس نواب جديد وحتى مجالس بلدية واختيارية جديدة، فجأة توقف كل شيء وجرى تعطيل كل هذه المؤسسات دفعة واحدة من أجل ملف واحد يقول كثيرون إنه فارغ، وهو ملف الشهود الزور، وهذا الملف، وحتى لو لم يكن فارغاً فإن المحقق الدولي القاضي دانيال بلمار أعلن انه لن يأخذ به وان كل ما استند إليه في إعداده للقرار الظني لم يستند في أي لحظة من اللحظات على الشهود الزور.
إذاً، وتأسيساً على كل ما تقدَّم فإن السؤال الذي يُطرَح هو:
هل يجوز تجميد بلد وتعطيل مصالح أربعة ملايين لبناني من أجل ملف فارغ من أي معطيات؟
لم يحصل هذا الأمر في تاريخ أي بلد من البلدان، وحتى في لبنان لم يحصل أن تعطَّل البلد من أجل ملف، فحتى في أيام الحرب لم يحصل تعطيلٌ على هذا النحو، ويذكر الجميع انه كانت هناك (المراسيم الجوَّالة) التي تٌسيِّر شؤون الناس، كانت الحرب على أشدها لكن مصالح الناس كانت مسيَّرة ولم يكن هناك شعور بالفراغ أو بالتعطيل.
اليوم لا حرب لكن مصالح الناس متوقِّفة فهل هذا معقول؟
الخطر في ما يجري أن المقيم ليس وحده مَن كفر بأي مستقبل للبلد بل ان المغترب اقترب من درجة عدم التفكير في العودة إليه، فهل هذا ما يريده المعطِّلون:
بلد مفرَّغ من أبنائه؟