في 27 نوفمبر 1895 وقَّع الكيميائي، المهندس ومخترع الديناميت، العالم السويدي ألفرد نوبل في العاصمة الفرنسية باريس، النص النهائي لوصيته. أوصى نوبل بأن يوهب القسم الأكبر من ثروته لتخصيص جائزة لتشجيع المكتشفين الأوائل، في مجالات الفيزياء والكيمياء والفزيولوجيا والطب، وكذلك للأدباء ولأولئك الذين عملوا خلال كل سنة أكثر من غيرهم لصالح السلام. وبعد عام واحد توفي نوبل في 10 ديسمبر 1896 في إيطاليا بسكتة قلبية. وقد اعتمد هذا التاريخ ليحتفى به كيوم نوبل. ويجري منح الجوائز في العلوم والآداب في السويد، أما جائزة السلام فتمنح في النرويج.

بعد أن تم فتح وصية نوبل، اتضح أن لا شيء تقريبا من تركته سينال أقاربه الذين كانوا يتوقعون نصيبهم. فقد خصص منها أكثر من 31 مليون كرون سويدي، كصندوق لهذه الجائزة. ملك السويد أوسكار الثاني، هو الآخر أبدى سخطه وعدم رغبته في أن تغادر هذه الأموال السويد، حتى ولو كجوائز تشجيعية لخدمة السلام. كما أن تعقيدات بيروقراطية اعترضت سبيل منح هذه الجائزة في عدد من الحالات.

لكن سرعان ما تم التغلب على كل تلك العوائق. ففي يونيو 1898 تخلى أقارب نوبل عن أية مطالبات، وفي عام 1900 أقر ملك السويد لائحة الجائزة والنظم المحددة لعمل الهيئات المختصة بمنحها. بعد ذلك تسنى منح الجائزة لأول مرة عام 1901م. ومنذ ذلك الوقت تم منح جوائز نوبل خلال القرن العشرين، لأكثر من 600 شخص.

غير أنه ما أن تم تخطي العوائق السويدية، حتى عادت جائزة نوبل للسلام بعد زمن لتقع ضحية السياسات الغربية، والأميركية خصوصا، لتوجيهها الوجهة التي تخدم مصالحها. عام 1939 شهد تعرض لجنة نوبل لضغوط خارجية، من أجل منح هذه الجائزة للفاشي هتلر. لكن اللجنة تمكنت في الوقت المناسب، من أن تشطب هتلر من قائمة المرشحين. أما الآن فتوجه اتهامات كثيرة للجنة القائمة على الجائزة، بأنها فقدت روح العدالة والموضوعية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى فقدانها لمعانيها وقيمها «كجائزة للسلام».

وعلى مدى سنوات كثيرة أصبحت موضوع جدل حاد، انعكس على صفحات موقع الوكيبيديا التي تغطي جائزة نوبل. فقبل سنوات منحت هذه الجائزة إلى آل غور، نائب الرئيس الأميركي السابق، مقابل «جهوده في حماية البيئة»، بالرغم من أن استهلاك الطاقة الكهربائية السنوي قد تضاعف في عهده بما لا يقاس، وبخلاف التوقعات! ومنحت جائزة نوبل من أجل «التعاون» للرئيس الحالي أوباما، في الوقت الذي يعتبر قائدا عاما للجيش الأميركي الذي يخوض على الأقل حربين غير عادلتين في العالم، ولم يفلح بعد في تسوية أي نزاع إقليمي.

أما منح جائزة نوبل للسلام لهذا العام 2010 للمواطن الصيني ليو شياوبو، الذي يقضي حكما بالسجن باعتباره مناوئا لنظام جمهورية الصين الشعبية، فقد حدا بقسم كبير من الرأي العام الصيني إلى نعتها بثلاث صفات: «شيجين، شيمين، شييان»، أي غير نظيفة، غير شفافة، وغير جديرة بالثقة.

وليس الصينيون وحدهم، بل وكثيرون في العالم رأوا في ذلك انحرافا بجائزة السلام عما كان يطمح إليه نوبل من منحها «للناس الذين يضيفون إسهاما جديا في قضية التقارب والصداقة بين الشعوب». لقد لاحظ كثير من المتابعين أن لجنة الجائزة، بتأثير من سياسيين غربيين في مقدمتهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، كانت تركز على رسو «جائزة السلام» على واحد من الصينيين: رابيا كاديرا، هو تسيا، فيي تسينشين.. وغيرهم من معارضي النظام، ومن بينهم ليو شياوبو، وهي كلها أسماء لا علاقة لها بقضية السلام العالمي. ولم يكن الشخص مهما، بقدر ما كان الأهم أن يكون صينيا مناهضا للنظام.

ترى ما الذي حدا بهذه القوى لتزييف طبيعة الجائزة والابتعاد عن المعنى الحقيقي لكلمة «السلام»، وتناسي إسهامات الصين الجدية، بشعبها الذي يعد 3,1 مليار نسمة، في قضية السلام العالمي؟!

قبل مدة كشف مقال لأحد «مراكز التفكير» الأوروبية تحت عنوان «تضييق الخناق على الصين»، النقاب عن الأهداف التالية: اللجم العسكري، والتحكم في الشواطئ الغربية للمحيط الهادئ، الحرب الاقتصادية، والتي تضع من أهم أهدافها رفع سعر صرف السجين مين بي» (الإسم الآخر للعملة الصينية ـ اليوان).. كل هذا تصفه المقالة بسالشبكة الأميركية التي أصبحت جاهزة لتطويق الصين في كل المجالات، من العسكرية إلى الاقتصادية والسياسية».

المهم بالنسبة لقضية السلم العالمي اليوم، ليس لمن سيبتسم نوبل، بقدر ما يهمنا أن نرى بوضوح ما الذي ينطوي عليه ذلك من قنابل دخانية، تحجب كل تلك التعاسات والأخطار التي تهدد الوضع العالمي الحالي، والمواقف المشوبة بالحماقة إزاءها وإزاء بلد عظيم كالصين. أصحاب هذه الحماقات لا يريدون أن يروا في الصين شيئا جميلا، ويستخدمون كل إمكانية من أجل تلطيخ سمعتها. وقد يشفي ذلك غليلهم ويزعج الصينيين لوقت، لكن سرعان ما سيتبخر ذلك كلما اتضحت حقيقة دور الصين في مستقبل التطور العالمي. في محاضرة له في البحرين قال أكاديمي صيني: «في يوم من الأيام كان على الصين أن تنقذ نفسها من أخطائها، ونجحت. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان على الصين أن تنقذ فكرة الاشتراكية ونظامها، ونجحت. أما بعد الأزمة العالمية الحالية، فالنداء الطبيعي للصين هو إنقاذ العالم بأسره». وبدورنا نقول إنه لكي تنجح الصين في ذلك، على العالم أن يتعاون معها، لا أن يستهدفها. أما «جائزة نوبل للسلام» فلكي تستعيد معناها ورونقها، يجب أن تنجح لجنتها في صد ضغوط السياسيين وتتخطاها، كما نجحت في تخطي العقبات السويدية الداخلية وضغوط قوى النازية في السابق.