ثقافة المجتمعات لا تختزل بالبيئة المحلية أمام طوفان النشر والاتصالات الحديثة، ومع أن الكتاب يراه البعض من الماضي، وآخرون يراهنون على بقائه بسبب علاقة ذاتية ونفسية مع القارئ، ومع ذلك نجد المجتمعات المتقدمة هي التي تنتج وتقرأ حتى أن طبع كتب بالملايين يشعرنا أن القراءة مرادفة للعلم والإنتاج الاقتصادي، ولم تمنع الرواية المنشورة الإنتاج السينمائي عندما تعاد إلى الشاشة ولا تفقدها الجمهور القارئ، وهي دلالات أن الثقافة أهم وسائل الرقي بالمجتمعات، وقد كان الاتحاد السوفيتي ومنظومته، وكذلك الصين تعتمدان أكبر الدور للنشر وبأثمان زهيدة يستطيع أي قارئ اقتناء مكتبة منزلية، ويتزامل مع سهولة الحصول على الكتاب مكتبات عامة ومدرسية وأكاديمية، ومع أن التوجه كان أيديولجياً أي خضوع تلك الثقافة للفلسفة الشيوعية، إلا أنها أعطت بعداً لمكافحة الأمية الثقافية، وأبرزت كتَّاباً وعلماء لا يزالون يواصلون المسيرة..
باستثناء العراق قديماً، ومصر حالياً لا نجد دولة عربية تعطي اهتماماً لتوسيع دوائر الثقافة باعتماد المسرح الشعبي، والكتاب المعان والمدعوم من وزارة تعنى بهذه الأهداف، ودول الخليج الأغنى بإمكاناتها لا نراها تعمم كتاب الطفل وتشجع المؤلف والناشر، والمملكة، بشكل خاص، لديها قارئ غير عادي والدلائل أن معارض الكتب في الداخل والخارج أصبحت تراعي هذا المواطن كأكبر مشتر، لكن غلاء الكتاب قد لا يكون بمتناول من راتبه خمسة آلاف ريال إذا كانت لديه مصاريف عائلية، ويستثنى من ذلك من يقتطع من هذا المبلغ جزءاً منه، بينما وزارة الثقافة التي تنشط في مجالات الإذاعة، وإلى حد ما، الأندية الأدبية التي تفتقر لأي إقبال أو تأثير على جيل الشباب والتي لا نجد لها خططا موازية باعتماد دور نشر للكتاب الشعبي أو إعادته دوراً يُشترط عليها أن تقوم بهذا الدور مقابل إعانات أو ميزانيات تؤدي إلى تأدية هذا الدور باعتباره موازياً لضرورات الغذاء والدواء..
النسبة العليا من مواطنينا شباب، وأصحاب هذه الفئات السنية لهم مطالب وتوجهات وتطلعات ليس بالضرورة أن تكون امتداداً لنا، إذا عرفنا أن فجوات المعرفة لم تعد تحسب بالعقود، بل بالسنوات لدرجة أن شباب الثلاثين عاماً تفصله مسافة غير عادية عن فتى بالخامسة عشرة بسبب تطور وسائل المعرفة، ومع ذلك هناك تضييق غير عادي، منع عن دخول الأسواق، أو سكن يجاور منازل العائلات، وحرب على المظاهر، وحرمان من السينما، والمسرح حتى أن عائدات دور السينما بالبحرين ممن يتدفقون عليها من شبابنا تجاوزت البلايين، وطالما الكتاب والنشاطات المختلفة تحول دونها، إما بتقاليد تقادم عليها الزمن، أو بيروقراطية تخيم عليها تجعل وزارة الثقافة معنية، بشكل مباشر بحل هذه الأزمة وإلا البديل مظاهر سلبية خطيرة..