المُظاهرة الاحتجاجية الحاشدة التي جرت منذ أيام قليلة في ساحة «مانيج» المحاذية لأسوار الكريملن في قلب العاصمة الروسية موسكو، نُظَّمتْ أساساً للمطالبة بإجراء تحقيق جدي في مقتل أحد مشجعي نادي «سبارتاك» لكرة القدم على يد أحد الشيشانيين، وبمعاقبةِ كلِّ الذين شاركوا في تلك الجريمة النكراء.
لكن يبدو أن هناك جهات غريبة حاولت استغلال الواقعة، باعتبار أن المتهم بالقتل من المسلمين الشيشان، لتشعل بها فتنة طائفية غريبة على المجتمع الروسي، الذي يحتضن إلى جانب الروس الأرثوذكس المسيحيين، العديد من الطوائف الدينية الأخرى، وعلى رأسها المسلمون الذين يشكلون الديانة الثانية في البلاد بنسبة تقترب من عشرين في المائة من تعداد سكان روسيا، وجميع هؤلاء المسلمين من أصول الشعب الروسي، وليسوا مهاجرين من دول أخرى.
ويرجع تاريخهم في الدولة إلى القرن السابع الميلادي بعد ظهور الإسلام بقليل، ولم يسبق أن شهدت روسيا فتنة طائفية دينية، خاصة وأن الأديان جميعها عانت نفس المعاناة من الاضطهاد في الحقبة السوفييتية.
لكن يبدو أن هناك من يسعى لإشعال فتنة طائفية في روسيا، حيث لوحظ ان غالبية الشعارات التي رددها المشاركون في المظاهرة، لا تمت بِصلةٍ إلى السبب الذي من أجله أصلاً تم تنظيم تلك المظاهرة. فقد رفع المشاركون الذين يقدر عددهم بخمسة آلاف شخص، شعارات سياسية واقتصادية. لكن ما هو أخطر من هذا وذاك، هو الشعارات القومية المتطرفة التي اعتَبَر الكثيرون في روسيا أنها أصبحت جزءاً من الماضي.
وعلى الرغم من أن المحتجين أكدوا أنهم من مشجعي نادي «سبارتاك» لكرة القدم وغيره من النوادي المماثلة، فإن الحقائق تؤكد أن عناصر أخرى لا تمت إلى كرة القدم بأية صلة، اندست في صفوف المشجعين الحقيقيين، حيث ترددت شعارات عنصرية شوفينية بين المحتجين، من أبرزها وأخطرها شعار يقول: «روسيا للروس فقط»، والمقصود هنا من غير الروس المسلمين بالتحديد!
وتفيد التحقيقات الأولية أن مطالب المتظاهرين تنقسم بشكل عام إلى ثلاث فئات، الأولى؛ تتعلق فعلاً بالقبض على كل الذين شاركوا في جريمة قتل الشاب ومعاقبتهم، وجميعهم من المسلمين.
والثانية؛ تطالب الأجهزة الأمنية بالكف عن التعامي عن الجرائم العرقية التي يرتكبها سكان شمال القوقاز من المسلمين. أما الفئة الثالثة فتتلخص في الدعوة إلى طرد كل من هو غير روسي من موسكو، علماً انه في موسكو يعيش نحو مليون ونصف المليون مسلم.
قائد شرطة موسكو الفريق فلاديمير كولوكولتسوف، حضر إلى ساحة «مانيج» وتحدث مع نشطاء المظاهرة لأكثر من ساعتين، ووعد بمعاقبة كل من شارك في مقتل ذلك المشجع. لكن ذلك لم يفلح في تهدئة المتظاهرين، كما لم يفلح في إبقاء الشعارات في حيزها الكلامي.
فقد وقعت مصادمات حامية الوطيس بين المحتجين والشرطة، أسفرت عن إصابة اثنين وثلاثين شخصاً بجراح، منهم ستة من أفراد الشرطة، التي لم تتمكن من السيطرة على الأمور في مركز العاصمة، إلا في ساعة متأخرة من النهار.
وقد عبر الرئيس مدفيديف عن قلقه لمقتل المُشجع الكروي البريء، ولِما تَبِع ذلك من تصعيد للنَّزعة القومية المتطرفة، داعياً إلى استخدام كل الوسائل التي يتيحها القانون لمواجهة الحالات المماثلة، بما يكفل ضمان أمن المواطنين وحماية مصالح الدولة.
ويرى بعض الخبراء والمحللين أن الإبطاء في حل القضايا القومية وعدم حسم مثل هذه القضايا، يهدد أمن المواطنين ويعرض وحدة البلاد لأخطار حقيقية.
صحيفة «إزفستيا» الروسية